فتردّ على فقرائهم، فإنْ هم أطاعوا لذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتّقِ دعوة المظلوم! فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب" ( [1] ) ."
ثانيًا: اتخاذ المقرّ والمكان الذي يلتقي فيه بأصحابه جميعًا: اتخذ النبي صلّى الله عليه وسلّم منزله ودار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه في مكة المكرّمة؛ ليكونا مقرًّا يجتمع فيه بأصحابه ليعلمهم أمور دينهم ويحفّظهم القرآن الكريم الذي يتنزّل عليه من عند الله تعالى. كما كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يستغل بعض بيوت المسلمين؛ لتكون ملتقى لبعض أصحابه، ليعلّم بعضُهم بعضًا؛ كما كان خبّاب بن الأَرَتّ يعلّم سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب (أخت عمر بن الخطاب) رضي الله عنهم القرآن الكريم وأحكام هذا الإسلام العظيم كما في قصة إسلام عمر رضي الله عنه ( [2] ) .
ثم اتخذ عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة - بعد هجرته إليها - المسجد النبوي الشريف؛ حيث أصبح هذا المسجد هو مقرّه الرئيس للتعلم والتعليم والإفتاء والقضاء والعبادة وتسيير الجيوش واستقبال الوفود وإبرام الاتفاقات وقضاء أمور المسلمين والناس جميعًا.
كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يستغل بيوت أزواجه أمهات المؤمنين في تعليم النساء أحكام وفقه النساء.
ثالثًا: عقد مجالس العلم وإعطاء الفرص الممكنة لتبليغ الأحكام ونشر الدين: كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يفسح المجال أمام المسلمين والناس جميعًا؛ لاستفتائه والاستفهام منه وسؤاله عن أمور دينهم في الطريق وفي جميع المناسبات وفي سفره وإقامته وفي حلّه وترحاله وفي سلمه وحربه.
كما كان النبيّ عليه الصلاة والسلام يكثر من عقد مجالس العلم؛ حيث يجتمع حوله أصحابه حِلَقًا حِلَقًا ليذكّرهم بالله عزّ وجلّ، ويبيّن لهم الحلال والحرام. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: إنما كانوا إذا صلّوا الغَدَاة قعدوا حِلَقًا حِلَقًا، يقرؤون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن ( [3] ) . وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتخوّل أصحابه بالموعظة بين حين وآخر مخافة السآمة والملل أنْ يدخل نفوسهم. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتخوّلنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا (4) .
رابعًا: إنزال الناس منازلهم ومخاطبتهم على قدر عقولهم: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم القدوة الطيبة في ذلك يراعي تفاوت المدارك عند الناس، ويقدّر اختلاف قدراتهم الفطرية ومواهبهم المكتسبة، ومن ثَمّ كان يخاطب كل إنسان بما يناسب عقله وفهمه وإدراكه، ويعطيه من العلم أو الجواب على سؤاله ما يلائم بيئته وطبيعته وفطرته ونفسيته، ومن ثَمّ يكون مقنعًا له بحيث كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يفهمُ عليه أهلُ البادية وأهل الحضر وأهل القرية والريف وكلّ مَنْ يتحدّث معه.
ويدلّ على هذا الصنيع من النبي عليه الصلاة والسلام ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل من بني فَزَارة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: إنّ امرأتي ولدت غلامًا أسود، وإنّي أنكرته، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم:"هل لك إبل؟"قال: نعم، قال:"فما ألوانها؟"،