الصفحة 3 من 6

قال: حُمْر، قال:"هل فيها من أَوْرَق؟"، قال: إنّ فيها لأوَرَق، قال:"فأنّى أتاها ذلك؟"قال: عسى أنْ يكون نَزْعَة عِرْقٍ، قال:"وهذا عسى أنْ يكون نزعة عِرْقٍ" (1) .

ومن مخاطبة الناس على قدر عقولهم كان النبيّ عليه الصلاة والسلام يخاطب الناس بلغاتهم ولهجاتهم أحيانًا؛ وذلك ليقرّب مفهوم الحديث ومعناه الذي يريد توصيله إليهم؛ كما روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده والخطيب البغدادي في الكفاية في قوانين الرواية من حديث عاصم الأشعري قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:"ليس من أَمْبِر أَمْصِيام في أَمْسَفر" (2) . وهذا الكلام في لغة الأشعريين حيث يقلبون اللام من أل التعريف ميمًا، والمراد بذلك أصل الرواية وهي قول النبي صلّى الله عليه وسلّم:"ليس من البِرّ الصيامُ في السفر" (3) .

خامسًا: طريقة كلامه وأسلوب حديثه: تمثّل ذلك في أنّ كلامه صلّى الله عليه وسلّم كان واضحًا ومُفْهِمًا، يَفْصِل بين فقراته ولا يسرده سردًا أخرج الإمامان البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان لا يسرد الكلام كسردكم، ولكن كان إذا تكلّم تكلّم بكلام فَصْلٍ يحفظه من سمعه، وأنه كان يحدّث بالحديث لو عدّه العادّ لأحصاه. وكان حديثه أحيانًا ثلاثًا ثلاثًا، مما يجعل كلامه سهل الحفظ بيّنًا مفهومًا لا يخفى على سامعه. وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلّم عليهم سلّم عليهم ثلاثًا ( [4] ) .

كما كان من أسلوب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في خطاب أصحابه تشويقُهم إلى ما يريد بيانه وإخبارهم به من خلال سؤاله لهم عن ذلك على سبيل التعليم؛ كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال يومًا لأصحابه:"أتدرون ما المفلس؟"، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال:"إنّ المفلس من أمّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا؛ فيُعْطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإنْ فنيت حسناته قبل أنْ يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم، فطُرحت عليه ثُمّ طُرِح في النار" ( [5] ) .

سادسًا: إجابة السائل بأكثر من سؤاله: وذلك لأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان حريصًا على بيان الأحكام وأمور الدين للناس وإزالة أيّ إشكال يقف عنده السائل منهم؛ ليكون ذلك من تمام النصيحة وأداء الواجب؛ مثل ما رُوي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما سأله رجل عن ماء البحر أنّه قال:"هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ( [6] ) .

وقد علّق ابنُ رُشيد على ختم البخاري رحمه الله كتاب العلم من صحيحه بباب من أجاب السائل بأكثر مما سأله، فقال: {ختم البخاري كتاب العلم بباب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه إشارة إلى أنه بَلَغ الغاية في الجواب عملًا بالنصيحة واعتمادًا على النيّة الصحيحة} ( [7] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت