الصفحة 23 من 36

قال أبو عبيد [1] : «فنرى أن عمر إنما خص؟؟؟ بما أعطاهم للنفل المتقدم، الذي كان جعله لهم، ولو لم يكن نفلا ما خصه وقومه بالقسمة خاصة دون الناس، ألا تراه لم يقسم لأحد سواهم؟ وإنما استطاب أنفسهم خاصة؛ لأنهم قد كانوا أحرزوا ذلك وملكوه بالنفل ... ويبين ذلك الحديث الذي ذكرناه عن قيس بن أبى حازم أن عمر قال لجرير: لولا أنى قاسم مسئول لكنتم على ما جعل لكم» .

ويحتمل أن يكون النفل الذي خص به جرير ثلث الغنيمة السائلة المنقولة كالكراع والمال: ولا ثلث الأرض، بدليل قوله: بعد الخمس، ومعلوم أن الأرض لم تخمس [2] .

والناحية الأخرى: أنه لو كانت هناك استطابة لما وقفه عمر بن الخطاب لما كان هناك من نازعة في ذلك، لكن تقدم أن بلالًا وبعض الصحابة قد نازعوا عمر بن الخطاب في أمر الوقف، مما يدل على أنه لم يستطب نفوسهم [3] .

2 -أن القول بمنع الصحابة من شراء الأرض الموقوفة ممنوع؛ لأنه قد نقل عن بعض الصحابة أنهم اشتروا من أرض السواد، مما يدل على أنها كانت ملكًا لأصحابها، وإلا لما جاز لهم بيعها، ولما أقروا على ذلك [4] .

ووجه هذا الشراء:

ما أخرجه أبو عبيد ويحيي بن آدم القرشي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء دهقان إلى عبد الله بن مسعود، فقال: اشتر مني أرض، فقال عبد الله: على أن تكفيني خراجها. قال: نعم. فاشتراها [5] .

وعن الشعبي مثله [6] :

وما أخرجه يحي بن آدم القرشي عن ابن أبى ليلى, قال: اشترى الحسن بن على ملحة أو ملحًا، واشترى الحسين سويدين من أرض الخراج، وقال: رد إليهم عمر أرضيهم، وصالحهم على الخراج الذي وضعه عليهم. قال: وكان ابن أبى ليلى لا يرى بشرائها بأسًا» [7] .

والجواب عن ذلك:

(أ) أما ما نقل عن ابن مسعود أنه اشترى. فالمراد به: اكترى. قال أبو عبيد: والدليل عليه «أن ابن مسعود اشترى من دهقان أرضًا على أن يكفيه جزيتها» [8] .

ولا يكون مشتريًا لها وجزيتها على البائع، وقد خرجت الأرض من ملكه، وقد روى عنه القاسم أنه قال: «من أقر بالطسق [9] ، فقد أقر بالذال والصغار» [10] . وهذا يدل على أن الشراء ها هنا الاكتراء [11] .

(ب) وأما ما نقل بخصوص شراء بعض الصحابة أو التابعين للأرض الخراجية، فالجواب عنه:

بأن المراد بهذه الأراضي أراضي الصلح التي أقر المسلمون ملك الذميين لها، وفرضوا عليها الخراج، ولهذا لا تكون أرض عنوة [12] .

ويدل على هذا ما أخرجه يحيى بن آدم القرشي عن شريح «أنه اشترى أرضًا من الحيرة يقال لها: زبا. قال: وقال الحكم: كانوا يرخصون في شراء أرض الحيرة من أجل أنهم صلح» [13] .

ويؤيد هذا نهى عمر بن الخطاب عن شراء أرض العنوة، وقد تقدم ما يدل على ذلك.

وأما القول بأن للإمام أن يترك أرض العنوة في أيدي أصحابها دون أن يفرض عليها خراجًا بالقياس على أرض مكة المكرمة التي فتحت عنوة، وقد تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيدي أصحابها، ولم يفرض عليها خراجًا، وقد جعلها عشرية. فالجواب عنه، بأنه قياس مع الفارق، فلا يجوز.

وبيان هذا من ناحيتين:

الأولى: أن أراضس العنوة، مثل سواد العراق والشام ومصر، تختلف عن أراضي مكة، من حيث فتحها عنوة.

فأراضي سواد العراق والشام ومصر فتحت عنوة، وهذا لا خلاف فيه، إلا ما ورد بخصوص أراضي مصر, فقد وقع الخلاف في فتحها عنوة، أو صلحًا، والراجح فتحها عنوة.

وأما أرض مكة المكرمة: ففي فتحها عنوة خلاف عند فقهاء المسلمين على قولين:

(1) نفس المصدر / 79.

(2) انظر: هامش الأموال لأبى عبيد / 79.

(3) نيل الأوطار 7/ 17.

(4) المغنى 2/ 720 وانظر: الملكية الشرعية الإسلامية د. العبادي 1/ 302.

(5) الخراج ليحيى بن آدم القرشي / 56، والأموال لأبي عبيد / 100 وفيه (على أن يكفيه جزيتها) .

(6) الخراج ليحيى بن آدم القرشي / 57.

(7) نفس المصدر / 57 - 58.

(8) الأموال لأبي عبيد / 100.

(9) الطسق: الوظيفة من خراج الأرض، فارسي معرب، الصحاح تاج اللغة 4/ 1517، والقاموس المحيط 3/ 58، باب القاف - فصل الطاء.

(10) الأموال لأبي عبيد / 100.

(11) نفس المصدر والمغني 2/ 721، وانظر: الملكية في الشريعة الإسلامية د. العبادي 1/ 302.

(12) الملكية في الشريعة الإسلامية د. العبادي 1/ 303.

(13) الخراج ليحيى بن آدم القرشي / 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت