فهرس الكتاب
فلما كان يوم الفتح، قال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم. فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن الأسود والأبيض إلا فلانًا وفلانًا. ناس سماهم، فأنزل الله عز وجل: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) [1] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصبر ولا نعاقب» [2] .
ووجه الدلالة من الحديثين: «أنهما يدلان على أن التأمين قد وقع بالفعل مع من لم يقاتل من أهل مكة المكرمة، والأمان كالصلح، كما أن القتال قد وقع بالفعل كذلك، كما دل عليه حديث أبي هريرة، وللجمع بين هذا الحديث الدال على القتال، والأحاديث الدالة على التأمين. وفي مقدمتها حديث سعد وأبي بن كعب المذكوران، قالوا: بأن التأمين علق على شرط، وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرقوا إلى دورهم، ورضوا بالتأمين المذكور، لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك، وقاتلوا خالد بن الوليد ومن معه حتى قاتلهم، وهزمهم أن تكون البلد فتحت عنوة؛ لأن العبرة بالأصول، لا بالأتباع، وبالأكثر لا بالأقل» [3] .
3 -ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقسم أرض مكة، ولو فتحت عنوة لكانت غنيمة، ولوجب قسمتها، كما وجبت قسمة الحيوان والمنقول.
4 -ولأن الغانمين لم يملكوا دورها، ولم يخرجوا أهلها منها، فلو فتحت عنوة لملكوا دورها وأراضيها، ولجاز لهم إخراج أهلها منها.
5 -ولأن دور مكة وأراضيها يجوز بيعها وشراؤها واكتراؤها على رأي بعضهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
ومما تقدم يتضح لنا أن القول الأول القائل بأن مكة المكرمة فتحت عنوة، هو القول الراجح في نظري، لما ذكره أصحاب هذا القول من أدلة تدل بمنطوقها ومفهومها على أن مكة فتحت عنوة.
ومما يوضح ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وإنما أحلت لي ساعة من نهار» ، وقد سبق تخريجه.
وقد جاء في مسند أحمد من حديث عمرو بن شعيب, عن أبي, عن جده، أن تلك الساعة استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر [4] .
(1) النحل / 126.
(2) أخرجه الإمام أحمد والترمذي، وقال: حسن غريب من حديث أبي, وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة في الفوائد وابن حبان والطبراني. وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل، وانظر: نيل الأوطار 8/ 25 - 26.
(3) نيل الأوطار 8/ 28.
(4) نيل الأوطار 8/ 28.