فهرس الكتاب
وإذا كانت مكة فتحت عنوة، كما دل عليه حديث أبي هريرة، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما أحلت لي ساعة من نهار» ، كما تقدم آنفًا، فلا داعي للتمسك بأنها فتحت صلحًا، والقول بهذا خلاف الواقع.
ولا يمكن أن يصار إلى القول الثاني: لأنه قول مرجوح بالمقارنة مع القول القائل بأنها فتحت عنوة.
وأما الأدلة التي استدلوا بها فالجواب عنها بالآتي [1] :
1 -أن الأحاديث الواردة في تأمين الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة المكرمة لا يلزم منها القول بفتح مكة صلحًا، وغاية ما تدل عليه هو وقوع التأمين بالفعل، ولم يكن هذا التأمين مع الكل وهو لم يسم صلحًا؛ لأن الصلح عقد يلتزم بمقتضاه الكفار الكف عن القتال، والكفار لم يلتزموا الكف عن القتال؛ لأنهم استعدوا له وقاتلوا, كما في حديث أبى هريرة: «أن قريشًا وبشت أوباشًا» ، واو وجد عقد بالصلح لنقل إلينا، ولم ينقل عقد صلح بين المسلمين والمشركين، ولهذا لا يعد مجرد هذا التأمين صلحًا.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى: إن كان مرادهم من الصلح ما وقع من قوله صلى الله عليه وسلم: «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن» ، فإن هذا لا يسمى صلحًا، إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكف عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك؛ لأنهم استعدوا للحرب. كما تقدم في حديث أبى هريرة.
فإن كان المراد بالصلح وقوع عقده، فهذا لم ينقل، كما قال الحافظ. قال: ولا أظنه عنى ألا قوله: أن «من دخل أبى سفيان فهو آمن» ، وهذا لا يسمى صلحًا.
2 -وأما ما قيل بإمكانية الجمع بين حديث أبى هريرة القائل بالقتال، وحديثي سعد وأبي بن كعب القائلين بالتأمين، فمنقوض بما جاء في حديث أبي هريرة: «أن قريشًا وبشت أوباشًا لها، وقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا، أعطينا الذي سئلنا» .
والحديث صحيح رواه أحمد ومسلم، وهو يدل على أن غير الأوباش لم يرضوا بالتأمين، بل وقع التصريح في ذلك، -كما ذكرنا- آنفًا.
3 -وأما الجواب عن ترك القسمة، فإن هذا لا يستلزم عدم العنوة. فقد تفتح البلد عنوة. ويمن على أهلها، وتترك لهم دورهم وغنائهم، ولأن قسمة الأرض المفتوحة ليست متفقًا عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة، فمن بعدهم، وقد فتحت أكثر البلاد عنوة، فلم تقسم، وذلك زمن عمر، وعثمان، مع
(1) نفس المصدر 8/ 27 - 28