فهرس الكتاب
ولهذا وجدنا أبا عبيد - نظرًا لهذه الصفات - يصرح فيقول [1] :
«فإذا كانت مكة هذه سننها أنها مناخ لمن سبق إليها، وأنها لا تباع رباعها، ولا يطيب كراء بيوتها - على رأي بعضهم - وأنها مسجد لجماعة المسلمين، فكيف تكون هذه غنيمة، فتقسم بين قوم يحوزونها دون الناس، أو تكون فيئًا، فتصير أرض خراج، وهي أرض من أرض العرب الأميين الذين كان الحكم عليهم الإسلام، أو القتل، فإذا أسلموا كانت أرضهم عشر، ولا تكون خراجًا أبدًا» .
وقال: «فليست تشبه مكة شيئًا من البلاد؛ لما خصت به، فلا حجة لمن زعم أن الحكم على غيرها، كما حكم عليها» [2] .
الترجيح:
وبناء على ما تقدم من خلال استعراض الأقوال الواردة في أرض العنوة، وأدلتها والمناقشات التي دارت حولها، يتضح لي أن القول الراجح هو القول القائل بالتخيير؛ لما ذكره أصحاب هذا الرأي من أدلة تشهد بصحة ما يقولون.
وأما مدى الاختيار، فإني أرى أن لولي أمر المسلمين أن يفعل بأرض العنوة ما يراه مناسبًا لتحقيق مصالح العباد.
ومما يحقق هذا إعطاؤه حق اختيار أحد الأمور الآتية:
1 -قسمة أرض العنوة كلها، أو بعضها على المقاتلين، كما لو كانت غنيمة.
2 -وقف أرض العنوة على مصالح كافة المسلمين، أو بعضهم، كما لو كانت فيئًا.
3 -ترك الأرض في أيدي أصحابها على أن يكونوا مالكين لرقبتها، مقابل خراج يؤدونه إلى بيت مال المسلمين.
4 -تمليكها للمسلمين، على أن يدفعوا ضريبة سنوية لبيت مال المسلمين، تكون على شكل أجرة، لا خراج؛ لأن الخراج فيه معنى الصغار والذل، وهذا لا يليق بالمسلم.
ولا أرى ترك أرض العنوة في أيدي أصحابها، دون أن يفرض عليها خراجًا؛ لأنه لا مصلحة للمسلمين في ذلك.
ولا يمكن قياس ذلك على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بأرض مكة التي فتحت عنوة، لما ذكرت سابقًا من أن مكة المكرمة تمتاز عن غيرها من البلدان التي فتحت عنوة، ولهذا لها حكم خاص.
(1) الأموال لأبي عبيد / 85 - 86.
(2) نفس المصدر / 86.