فهرس الكتاب
ووجه القول بالتخيير آنف الذكر ما يلي:
أولًا: أن الأدلة الواردة في أرض العنوة، منها ما يدل على أن الإمام له أن يقسمها بين الغانمين، وفيها ما يدل على وقفها على كافة المسلمين، ومنها ما يدل على تركها في أيدي أصحابها، على أن يكونوا مالكين لها مقابل خراج يؤدونه إلى بيت مال المسلمين.
ثانيًا: أن من قال بوجوب قسمة أرض العنوة، فقد عمل ببعض الأدلة، وترك بعضها الآخر، وكذا من قال بوجوب وقفها، وليس بعض الأدلة بأقوى من بعضها الآخر.
وأما من قال بالتخيير، فقد جمع بين الأدلة كلها، والجمع بين الأدلة أولى من العمل ببعضها؛ لأن العمل ببعضها إهمال لبعضها الآخر, وهذا لا يجوز إلا إذا كانت الأدلة متفاوتة في درجة القوة، لكن الأدلة التي تمسك بها من قال بالقسمة أقوى من الأدلة التي تمسك بها من قال بالوقف، وإذا لم تكن كذلك، تعين الجميع بين هذه الأدلة، والجمع بينها يعني القول بجواز القسمة، والوقف، وما في حكم ذلك.
ثالثًا: أن أرض العنوة تحكمها المصلحة العامة، وبناء عليها فإن لولي أمر المسلمين أن يفعل بأرض العنوة ما يحقق مصالح المسلمين، ومصلحة المسلمين في أرض العنوة تعني القسمة والوقف، لا القسمة أو الوقف فحسب.
لهذا، وجدنا ابن قدامة يقول في هذا الصدد: « ... إذا أثبت هذا، فإن الاختيار المفوض إلى الإمام اختيار مصلحة، لا اختيار تشه، فيلزمه فعل ما يرى المصلحة فيه، ولا يجوز العدول عنه، كالخيرة بين القتل والاسترقاق والفداء والمن في الأسرى» [1] .
رابعًا: وإن هذا المسلك ليس غريبًا من نوعه، فكثير من العلماء ينصون عليه.
قال يحيى بن آدم القرشي: «والغنيمة: جميع ما أصابوا من شيء، قل ذلك أو كثر، حتى الأبر، إلا الأرضين, فإن الأرضين إلى الإمام، رأي أن يخمسها ويقسم أربعة أخماسها للذين ظهروا عليها فعل ذلك، وإن رأى أن يدعها فيئًا للمسلمين على حالها بدًّا فعل بعد أن يشاور في ذلك، ويجتهد رأيه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقف بعض ما ظهر عليه من الأرض فلم يقسمها، وقد قسم بعض ما ظهر عليه» [2] .
(1) المغني 2/ 718.
(2) الخراج ليحيى بن آدم القرشي / 18.