الصفحة 32 من 36

وقد أخرج بسنده عن ابن المبارك، عن سفيان أنه قال: «إن شاء الإمام خمسها، وقسم أربعة أخماسها، وإن شاء جعلها فيئًا، كما صنع عمر بن الخطاب بالسواد» [1] .

وقال أبو عبيد [2] : «فقد تواترت الآثار في افتتاح الأرضين عنوة بهذين الحكمين» .

أما الأول منهما: فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر، وذلك أنه جعلها غنيمة، فخمسها وقسمها، وبهذا الرأي أشار بلال على عمر في بلاد الشام, وأشار به الزبير بن العوام على عمرو بن العاص في أرض مصر، وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس، كذلك يروى عنه [3] .

وأما الحكم الآخر فحكم عمر في السواد وغيره، وذلك أنه جعله فيئًا موقوفًا على المسلمين ما تناسلوا، ولم يخمسه، وهو الرأي الذي أشار به علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل، وبهذا كان يأخذ سفيان بن عيينة, وهو المعروف من قوله، إلا أنه كان يقول: الخيار في أرض العنوة إلى الإمام، إن شاء جعلها غنيمة، فخمس وقسم، وإن شاء جعلها فيئًا عامًّا للمسلمين، ولم يخمس ولم يقسم.

وقال: وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيء، إلا أن الذي أختاره من ذلك يكون النظر فيه إلى الإمام، كما قال سفيان، وذلك أن الوجهين جميعًا داخلان فيه، وليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم براد لفعل عمر، ولكنه صلى الله عليه وسلم اتبع آية من كتاب الله تبارك وتعالى، فعمل بها، واتبع عمر آية أخرى فعمل بها، وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين، فيصير غنيمة أو فيئًا.

والآية التي اتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الغنيمة في سورة الأنفال, والآية التي اتبعها عمر هي آية الفيء في سورة الحشر، وقد تقدم ذكر ذلك سابقًا. وقال أبو يوسف [4] : «فالأرض فيء إن شاء الإمام خمسها، ثم قسم ما بقي منها، وإن شاء تركها على حالها، وأمر واليه أن يدعو إليها من يعمرها، ويؤدي خراجها، كما يعمل في معطل أرض أهل الذمة مما لا رب له» .

وقال ابن قيم الجوزية [5] : «وقالت طائفة: الإمام مخير في الأرض بين قسمتها وبين وقفها، والنبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر، ولم يقسم مكة، فدل على جواز الأمرين. قالوا: والأرض لا تدخل في الغنائم المأمور بقسمتها، بل الغنائم هي الحيوان والمنقول؛ لأن الله تعالى لم يحل الغنائم لأمة غير هذه

(1) نفس المصدر / 19.

(2) الأموال لأبي عبيد / 75 - 76.

(3) والمشهور عن مالك أنه كان يرى أن أرض العنوة لا تقسم, بل تبقى وقفًا يقسم خراجها في مصالح المسلمين من العطيات وبناء القناطر والمساجد، هامش الأموال لأبي عبيد / 75.

(4) الخراج لأبي يوسف / 203.

(5) زاد المعاد في هدي خير العباد 2/ 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت