نعم ... فالكلمة كالإنسان ، بل إن الكلمة إنسان ، يأنس بغيره ولا يحيا إلا في مجتمع وأسرة ،وكما أن للإنسان صديق حياة ، ورفيق وجود ، فإن هناك كلمات لا تكاد ترى إلا في صحبة قرين لها ، وقليلًا ما تجدها إلا وهي في صحبة أليفها ، تلكم هي أسماء الله الحسنى .
فلا يكاد القارئ يقرأ كتاب الله ، فتقع عينه على اسمه سبحانه ( الغفور ) إلا وتقع في ذات الوقت على اسم آخر مثل ( الرحيم ) وكذلك لا يكاد يأتي اسم ( العزيز ) إلا في صحبة اسمه ( الحكيم ) أو اسم آخر تقتضيه دلالات السياق والمقام .
لذلك كان وجود أحد هذه الأسماء دون قرين له من أخوته أمرًا يدعو إلى التوقف ، وبيان وجه المجئ منفردًا عن أليفه ، وبعيدًا عن قرينه .
والأسماء الثلاثة ( غافر - غفار - غفور ) لم تأت منفردة إلا في ثلاث آيات:
الأولي: في سورة الإسراء في قوله الله تعالي (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا) (الاسراء:25)
الثانية: في سورة طه ، في قوله تعالي (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (آية:82)
والثالثة في سورة نوح ، في قوله تعالي (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) آية 10 .
وعودة إلى سياق كل موضع يتبين الآتي:
في سورة الإسراء كان السياق في شأن بر الوالدين والإبلاغ في النهي عن العقوق فبدأ ذلك بقوله (لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا) أية 22.
ليكون مرتكزًا لما سيأتي بعد ذلك ، وأن العقوق للوالدين فرع من الشرك فجاءت الجمل حاملة صيغ النهي المتتابعة ، المشعرة بالغضب على كل من خالف ، فقالت في البداية وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء:23) لتربط بين القضيتين لأنهما من مشكاة واحدة ثم قيل:
لا تقل لهما أف
لا تنهرهما .