ومن خلال ما سبق أستطيع أن أقول أن هذا الاسم بهذه الصيغة ودون ( أل ) يأتي في قضية الرزق وما يحيط بها من لغط وشوائب في حياة الناس ، فالسعي على الرزق - ولا شك - لا يسلم من شبهة ، ولا ينأى كلية عن شائبة فناسب ذلك مجيء هذا الاسم الخالي من أل ، القريب من والوصف منه إلى الذات ، وهذا ما أكده ابن الجوز في زاد المسير حيث قال:
[ الغفار: الذي يغفر ذنوب عباده مره بعد أخرى ، فكلما تكررت ذنوبهم تكررت مغفرته غفرًا لأنه يستر .... فالغفار: الستار لذنوب عباده المسبل عليهم ثوب عطفه . ]
وهذا ما يؤكده ورود هذا الاسم في سورتي طه ونوح ملتصقًا بالرزق كما سبق .
وإلى تحليل كل موقع على حدة:
موقع سورة طه:
قال الله تعالي (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه:82)
وهذه الآية جاءت في ختام مشهد النصر - على فرعون وقومه - بغرقهم في اليم ونجاة موسى وبني إسرائيل ، في معجزة باهرة رآها الجميع .
ثم تأتي الآية مبدوءة بهذه الجملة الخبرية ، وكان الخبر فيها هو هذا الاسم (غفار) وأكد هذا الخبر بعده مؤكدات منها: [ إن - واللام - واسمية الجملة ] وكان المخبر عنه هو الضمير الظاهر - ياء المتكلم - المشعر بحضور المتكلم ورؤية الجميع له ، وكأن القارئ في حضرته سبحانه ، فهو يخاطبه .
ثم إن الجملة ليس فيها تقديم أو تأخير حيث تأخرت المتعلقات عن الخبر ، لأن القصد إثبات المغفرة ، بعيدًا عن أصحابها ، والمستحقين لها ، فإذا ثبتت المغفرة ، واتصافه سبحانه بها قيل: إنها لمن تاب وآمن وعمل صالحًا .... الخ .
ولو قدمت هذه المتعلقات وقيل وإني لمن تاب وآمن .. لغافر ، لظن تعلق الوصف والخبر بهؤلاء ، لكن هذا غير مراد لأن الآية وسياقها في ذكر نعم الله وصفاته والتي منها أنه (غفار) سواء وجد من يغفر لهم أم لا .
وفي السياق علاقة وثيقة بين الاسم ومضمون الآيات .