إنها ترسم تلك الصورة التي يعرضها نوح - عليه السلام - على ربه وهو يقدم له حسابه الأخير بعد ألف سنة إلا خمسين عامًا قضاها في هذا الجهد المضني .... ]
والنظر في الآيات الأولى يلحظ فيها الإلحاح في الدعوة ، حتى إن مادة ( دعا ) ذكرت قبل هذه الآية أربع مرات وهي:
( قال ربي إني دعوت قومي .... )
( فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا .... )
( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ... )
( ثم إني دعوتهم جهارًا .... )
كل ذلك ولم يبين إلى أي شيء دعا ، في حين أن المطلوب منه في أول السورة هو ( أنذر قومك ) .
إذن جميع هذه الدعوات إنذار ولكن كيف كان هذا الإنذار وماذا قال فيه ؟
هذا ما تشير إليه الآية التي ورد فيها الاسم محل البحث وهي: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا)
إذن الدعوة التي ألح عليها نوح ألف سنة إلا خمسين عامًا والتي أمر بها هي:
( استغفروا ربكم ) .
فالقصد من كل ذلك هو مغفرة هذه الذنوب ، وسترها حتى في بداية السورة حين قال: ( إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون) كان الجزاء (( يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى )
هكذا فقط 00، فلا مجال هنا للحديث إلا عن المغفرة . فقيل ( إنه كان غفارًا ) فكأن ملخص الدعوة التي ألح عليها سيدنا نوح _ عليه السلام - هي ( استغفروا ربكم ) والمعروف أن الاستغفار يكون لمن أسلم وآمن ، وهؤلاء مازالوا على شركهم وعنادهم . مما يعني أن قوله ( استغفروا ربكم ) هنا يقصد بها ما قاله في البداية
( اعبدوا الله ، وأطيعون ) وهذا يعني أن نوح عليه السلام - حين دعا إلي الإسلام دعا إلى المغفرة ، ودعا إلى الغفار - وذلك من التناسب العجيب ، لأن القوم طالت أعمارهم ، وكثرت ذنوبهم ، وطول العمر وكثرة الذنوب تستدعي أول ما تستدعي غفران هذه الذنوب . ومن هنا كانت الدعوة ليلًا ونهارًا ، وجهرًا وإسرارًا ، إلى المغفرة فهي شاغلهم كما أنها شاغل سيدنا نوح عليه السلام .