وإن كانت المغفرة تعني الستر والتغطية . فإن أحوج ما يكون إليها الإنسان يوم القيامة ، فالخلق كلهم محشورون . وظهور الذنب أمام هذا الحشد كرب شديد ، وإسبال الستر على الخلق بداية العفو ، وقد تكون المغفرة عدم الفضيحة فقط ، وأشد ما تخشاه النفس في ذلك اليوم افتضاح أمرها ، فالكل في صعيد واحد ، وكشف الستر حينئذ من أشد أنواع العقاب، لذلك استعمل في هذا الموقف اسمه .
( الغفار ) بما فيه من دلالات مستمدة من مادة الكلمة ، وصيغة الكلمة ، وتعريف الكلمة ومجيئها في الفاصلة ، بل آخر الفاصلة ، وسبقها بالعزيز ، ومجيئها في حال الرفع ؛ لتعطي لكل ما سبق قوة ، وكثرة ، وانفرادًا ، وشيوعا ، ً فالمغفرة في هذا المقام لا يدل عليها إلا بالغفار .
تبيان اسم الله تعالي: (الغفور)
(غافر ، وغفار ، وغفور) .
مقاماتها ، ودلالاتها
في القرآن الكريم
سعيد جمعة
جامعة الأزهر
مدخل:
ورد اسمه - سبحانه - ( الغفور) في القرآن الكريم إحدى وتسعين مرة ، وتنوعت صورته ، كما تنوع التركيب الذي ورد فيه بحسب السياق والمقام ويمكن تلخيص هذا التنوع في عدة نقاط:
1-التعريف والتنكير .
2-حالته الإعرابية [ بين الرفع والنصب والجر ] .
3-مجيئه منفردًا أو اقترانه باسم آخر .
4-تقديمه على الاسم الآخر أو تأخيره .
وتحت كل قسم من هذه الأقسام تفريعات أخرى ، لكن هذه هي الأقسام الرئيسة التي يمكن إدخال الأسماء الإحدى والتسعين تحتها .
لكنني أود في البداية أن أشير إلى كثرة ذكر هذا الاسم في سورة النساء حيث وردت مادة ( غفر ) بصورها المختلفة- اسمًا كانت أم فعلًا- في سورة النساء إحدى وعشرين مرة .
وفي ذلك ما يشير إلى شدة احتياجهن إلى هذه الصفة ، بل إن أمر النساء عامة في الإسلام قائم على الستر والحجاب والتغطية ، فإذا ضممنا إلى ذلك حالهن في الآخرة ، وأنهن أكثر أهل النار كما ورد في الحديث علمنا أن هذه الكثرة في سورة النساء ناسبت المرأة في الدنيا والآخرة .