وعلى ذلك ، فإن انضمام ( إن ) إلى عائلة الجملة بحيث يصبح الاسم الجليل (الله) اسمًا لها ، ثم تأتي ( كان ) وجملتها لتكون خبرًا لها يشعر بأن التوكيد وربط الكلام السابق باللاحق هو الأساس وتصير ( كان ) مع جملتها تابعة وعنصرًا من عناصر جملة ( إن ) فالاحتجاج لما سبق وبيان الفائدة هو الأصل هنا ، ولعل العلامة ابن عاشور يعمد إلى هذا المعني وهو يفسر قوله تعالي (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللأتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (النساء:23)
يقول: [ وقوله ( إن الله كان غفورًا رحيمًا ) يناسب أن يكون معنى ( إلا ما قد سلف ) تقرير ما عقدوه من ذلك في عهد الجاهلية ، فالمغفرة للتجاوز عن الاستمرار عليه ، والرحمة لبيان سبب ذلك التجاوز ]
وكأن جملة ( إلا ما قد سلف ) هي معنى ( كان الله غفورًا ) .
( فإنّ ) ربطت الكلام وأفرغته إفراغًا واحدًا ، وأضفت عليه من الرسوخ والتمكين ما لا يوجد لو أنها حذفت ، في حين جُعِلت- كان- دليلًا على دوام المغفرة من الله تعالي وأنها صفة ملازمة لاسمه الكريم ، لكل من جمع بين أختين دون علمه بالحرمة.
ولعل من دلالات ( إن ) أيضًا هنا أن المخاطب قد يهجس في نفسه هاجس العقوبة للجمع بين الأختين فأكدت له المغفرة لنزع هذا الهاجس من نفسه .