فهذا الإلحاح على خطابه e، وتوجيه الكلام إليه خاصة يعطى للمعني خصوصية لا توجد في غيره ، ويؤيد هذا مجئ وصف- الرحيم - بصيغة خاصة وهي ( ذو الرحمة ) [و إنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة لا في الرحمة ؛ لأن المغفرة ترك الإضرار وهو تعالي قد ترك مضار لانهاية لها مع كونه قادرا عليها ، أما فعل الرحمة فهو متناه لأن ترك ما لانهاية له ممكن ، أما فعل ما لانهاية له فمحال وتقديم الوصف الأول: لأن التخلية قبل التحلية ، أو لأنه أهم بسبب الحال إذا المقام مقام بيان تأخر العقوبة عنهم بعد استيجابهم لها ، كما يعرب عنه قوله عز وجل ( لو يؤاخذهم بما كسبوا .... ] .
[ وتحرير نكتة التفرقة بين الخبرين ... أن المذكور بعد عدم مؤاخذاتهم بما كسبوا من الجرم العظيم - وهو مغفرة عظيمة وترك التعجيل رحمة منه تعالي ، سابقة على غضبه ، لكنه لم يرد سبحانه إتمام رحمته عليهم ، وبلوغها الغاية ، إذ لو أراد - جل شأنه - لهداهم وسلمهم من العذاب رأسًا،وهذه النكتة لا تتوقف على حديث التناهي وعدم التناهي.
كما أن ( ذو الرحمة ) لا يخلو عن المبالغة ... لاقتران الرحمة بـ ( أل ) فتفيد الرحمة الكاملة أو الرحمة المعهودة التي وسعت كل شيء .
أما ( ذو ) فإن دلالته على الاتصاف في مثل هذا التركيب فوق دلالة المشتقات عليه ، ولا يكاد يُدل سبحانه على اتصافه بصفة بهذه الدلالة إلا وتلك الصفة مراده على الوجه الأبلغ ، وإلا فما وجه العدول عن المشتق الأخصر الدال على أصل الاتصاف"كالراحم"مثلًا إلى ذلك ؟
فدلالة ( ذو الرحمة ) أقوى لأنها بواسطة أمرين ، فهي أبلغ من كل واحد من ( الرحمن ) و ( الرحيم ) وإن كانا معًا أبلغ منه ولذا جئ بهما في البسملة دونه ، ومَنْ أنصف لم يشك في أن قولك ( فلان ذو العلم ) أبلغ من قولك: فلان يعلم ، بل ومن قولك: فلان عليم ، من حيث إن الأول يفيد أنه صاحب ماهية العلم ومالكها ولا كذلك الأخيران .