وتنكير الاسم الجليل ( غفور ) لأن المغفرة ليست خاصة وليست محل نقاش بل هي أشبه بالحقائق ، حتى في جانب الخلق إذا تعامل بعضهم مع بعض ، واضطر أحدهم إلى المخالفة ، الأصل أن يَغفرَ الآخر ، هكذا يقول المنطق السليم والطبع القويم ، هذا في الوقت الذي يرى فيه أهل القرب من الله تعالي وجها ً أعلى وأرقى حيث يقولون:[ إنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم عليه أحدٌ إلا عن ذنب أصابه ، فلولا المغفرة لتممت عليه عقوبته ؛ لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة ، لأن الله تعالي لا يعجزه شيء ، وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجزه ربه (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) (الروم:49)
فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين ودون رتبة الإيمان .
ولقد جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا ففنيت أزوادهم ، فأقاموا أيامًا يتقوتون بيسير ، حتى تقوتوا بتمرة تمرة ، فأخرج الله لهم العنبر، دابة من البحر
فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم ، بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب مأكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي هو الطهور ماؤه الحل ميتته ]
وهذا يعني - كما يرى البقاعى - رحمه الله - أن اسمه (الغفور) تحت عباءته معنى العتاب ، وهذا امتداد آخر في مساحة المعني في اسمه الغفور .
ولا يبعد هذا المعني عن الآية رقم 182 والتي فيها:
(فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
حتى أن جملة ( فلا إثم عليه ) تفوح برائحة العتاب لأن الأمر حتى وإن كان بقصد الإصلاح إلا أنه في النهاية تغيير للوصية،حتى قال العلامة ابن عاشور - رحمه الله - إن الآية فيها [ تنويه بالمحافظة على تنفيذ وصايا الموصين حتى جعل تغيير جورهم محتاجًا للإذن من الله تعالي ... ]