والأخرى ختمت بجملة (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) النحل 18
ذلك لأن آية إبراهيم كانت في شأن عد أفعال العباد وفي سياق قبح هذه الأفعال وبخاصة أفعال الكافرين حيث قيل من أول السورة عنهم أنهم:
( يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ..
ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا ...
ردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا ... وإنا لفي شك
بدلوا نعمة الله كفرًا ....
أحلوا قومهم دار البوار ...
جعلوا لله أندادًا ....
كل ذلك في سرد أفعال العباد ، فلما جئ إلى عد نعم الله تعالي ناسب أن يذكر موقفهم تجاه هذه النعم فقيل .
(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:34)
لكن السياق يختلف في سورة النحل لأن الحديث فيها ليس عن أفعال العباد ولكن عن أفعال الله تعالي:
فمن أول السورة تسمع هذه العطاءات
ينزل الملائكة بالروح من أمره
خلق السماوات والأرض بالحق
خلق الإنسان من نطفة
الأنعام خلقها لكم
أنزل من السماء ماءً لكم
ينبت لكم به الزرع ...
سخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم
وما ذرأ لكم في الأرض مختلفًا ألوانه ..
وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه ...
كل هذه أفعال الله تعالي ونعمة التي لا عد لها فلما ذكرنا بهذه النعم ناسب أن يختم بوصف آخر.
فقال (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل:18)
يقول الزركشي: [ ومن بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين في موضعين والمحدث عنه واحد لنكتة لطيفة ، وذلك قوله في سورة إبراهيم (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)
وقال في سورة النحل (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)
قال القاضي ناصر الدين بن المنير: