فهرس الكتاب
هذا وقد حرص السلف الصالح رضوان الله عليهم على أن يجعلوا دنياهم سفينة للنجاة, ومعبرا إلى الآخرة, فلم يركنوا إليها, ولم يشغلوا بمفاتنها وزخارفها, وإنما تزودوا وأخذوا منها ما ينفعهم للآخرة, فرضوا أن يخرجوا من الدنيا بربح وفير, تاجروا مع الله وتلك تجارة ربحها مضمون, باعوا دنياهم بآخرتهم, واشتروا الحياة الباقية, باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله, فرضي عنهم مولاهم, وبشرهم على لسان رسوله بالجنة وبالنعيم المقيم, وأي عاقل يستطيع أن يدرك الفرق بيننا وبينهم.
من أقوال الإمام علي في شأن الدنيا, في نظره تصور حقارتها وتفاهتها فيقول: الدنيا ستة أشياء: مطعوم, ومشروب, وملبوس, ومنكوح, ومشموم, ومركوب, فأشرف طعامها: العسل, وهو: مذقة ذبابة, وأشرف مشروبها الماء ويستوي فيه البر والفاجر, وأشرف ملبوسها الحرير وهو: منح دودة , وأشرف ركوبها الفرس وعليه تقتل الرجال, وأشرف مشمومها المسك وهو: دم غزال, وأشرف منكوحها المرأة وهن: مبال في مبال, وإن المرأة لتزين أحسن شيء منها ,ويراد أقبح شيء منها, وأشرف المشمومات المسك وهو دم. [1]
ويقول أحد السلف الصالح:
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكى
فلا يغرركم مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي
هؤلاء علموا أن أسعد الناس في الدنيا أزهدهم فيها, وأبعدهم عن زخارفها, فهي دار بالبلاء معروفة, وبالغدر موصوفة وبالفناء محفوفة, لا خيرها يدوم, ولا شرها يبقى, ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة, لما سقي الكافر منها شربة ماء.
ولقد حكي أن سليمان بن داود- عليهما السلام- كان ذات يوم في موكبه, الطير تظلة, والجن عن يمينه وشماله, فرآه عابد من بني إسرائيل فقال: والله يا بن داود لقد أعطاك الله ملكا عظيما, فرد عليه سليمان قائلا: لتسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي ابن داود , فإن التسبيحة تبقى وملك بن داود يفنى. [2]
(1) - إحياء علوم الدين ج 3 ص210 , تاج العروس ج 1ص7320.
(2) - حلية الأولياء ج 2 ص 313 , ذم الدنيا ج 1 ص 31 ,إحياء علوم الدين ج 3 ص203.