فهرس الكتاب
وقال الله لموسى: إني لأزود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها, كما يزود الراعي الشفيق إبله عن مبارك القرى, وما ذلك لهوانهم علي؛ ولكن ليستكملوا نصيبهم في دار كرامتي سالمًا موفرًا لم تكلمه الدنيا. [1]
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الله إذا أحب عبدا حماه الدنيا, كما يحمي أحدكم مريضه الماء ليشفى" [2]
وخرج الحاكم برواية لفظها: إن الله ليحمي عبده من الدنيا, وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه" [3] "
معاشر المسلمين: هذا واعلموا أن من صفة المؤمنين أنهم لا يجعلون دنياهم دارًا للتمتع وإنما للتزود للآخرة , فالمقصود من الدنيا التزود للآخرة التي هي دار القرار , أما الاستمتاع بها فذاك ليس شأنه شأن المؤمن وإنما هذا هو هم الكافر أو المنافق. قال الله تعالى: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} [4]
فبنو آدم في الدنيا قسمان:
قسم أنكر أن يكون للعباد دار بعد الدنيا للثواب والعقاب, وهؤلاء لا يرجون لقاء الله, ورضوا بالحياة الدنيا, وعملوا لها, وطلبوها ,وهذا كل آمالهم وهؤلاء هم الكفرة والمشركين, وعباد الأوثان, كل من هو غير مسلم.
وقسم يقر بأن بعد الموت دارا للثواب والعقاب, وهؤلاء ثلاثة أقسام:
ظالم لنفسه , ومقتصد , وسابق بالخيرات بإذن الله.
فالظالم لنفسه: وهم الأكثرون يأخذون زهرة الحياة الدنيا, ويتمتعون بها, ولو من غير وجهها, والدنيا هي أكبر همه, بها يرضى, وبها يغضب, ولها يوالي وعليها يعادي, وهؤلاء هم
(1) - تفسير ابن كثير ج 3 ص 197 - ، الدر المنثور ج 5 ص557.
(2) - ذكره أبو يعلي في مسنده, حديث عقبة بن رافع, رقم (6865) ج12 ص278.
(3) - أخرجه الإمام أحمد في مسنده, (حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه) , رقم (23677) ج5 ص428, و تعليق شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح وهذا إسناد جيد. أخرجه الحاكم في المستدرك, كتاب الطب, رقم (7465) ج 4 ص 231.
(4) - سورة محمد آية (12)