الصفحة 10 من 34

وإني لأتساءل كيف يمكن الجمع بين هذين القولين، وإذا كان القول الثاني بحكم تبعيته للأول يعد ناسخًا، فبماذا نحكم على التفسير المجازي لسورة الكهف الذي جاء به الكاتب وعده فتحًا جديدًا لم يسبق إليه؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

وهذا الذي جاء به الكاتب يحتاج إلى نقض من جهة أن الكلام منه ما يكون على سبيل الحقيقة ومنه ما يكون على سبيل المجاز، وقد اتفق العلماء على أن الأصل في الكلام الحقيقة وانه لا يصار إلى المجاز الا إذا وجدت قرينة تصرف الكلام من حقيقته إلى مجازه، نص على هذا غير واحد من العلماء [1] .

وعلى هذا يمكن أن نفهم أن في القرآن الكريم مجازًا، لكن أن يكون كله مجازا فهذا غير مقبول؛ لأن هذا يخالف بداهة ما هو معلوم عن لغة العرب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلم يعقل عن أحد كائنًا مَن كان أنه تكلم بكلام كثير ثم زعم أنه لا يريد من جملة واحدة فيه ظاهر معناها. وعلى هذا كيف يمكن أن يتخاطب الناس؟ وكيف يمكن الاتفاق على تفسير المجاز تفسيرًا يوحّد فهم الكلام المصدر بينهم؟ فلو سلمنا جدلًا بهذا لانبنى عليه أن تفسير القرآن الكريم لا يمكن أن يُتَّفق على أدنى شيء منه؛ لأن كل قارئ يمكنه أن يصوغ من المجاز ما يناسب أفكاره وتطلعاته. فكيف بعد ذلك يكون القرآن مرجعًا تشريعيًا تنضبط تصرفات الأمة بناءً عليه. إن هذا لمن أعجب العجب.

المبحث الثالث: اضطراب الكاتب في فهم حقيقية المسيح الدجال وحقيقة الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام واضطرابه في تفسير الجدار الذي وقع الخبر عنه في قصة موسى والخضر عليهما السلام

عرض الكاتب للمسيح الدجال في مقدمة كتابه وهو يذكر عن ابن كثير إيراده للحديث المشهور"من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال" [2] .

وبين الكاتب حسبما زعم أن ابن كثير عجز عن الربط بين هذه السورة الكريمة وبين المسيح الدجال، وبناءً عليه يرى أن المسيح الدجال هو الأمم الغربية المعاصرة، يقول بعد أن تحدث عن التوراة والإنجيل في وصفها لعيسى عليه السلام بالمسيح من السياحة في الأرض يقول:"وعليه فقد انتهج محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفس نهج الأناجيل والقرآن [3] . فأطلق هذا الوصف (المسيح) إضافة إلى وصفة (الدجال) على أقوام أوروبا وأمريكا الذين سينطلقون آخر الزمان بحثًا عن الذهب والفضة واستعمار شعوب الأرض لهذه الغاية" [4] .ثم يتابع قائلا ً:"ولا يغرنا أن الحديث الشريف استعمل صيغة الاسم المفرد للدجال بل هو شعب وأمة وليس فردًا من"

(1) أنظر على سبيل المثال: البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي 6/ 166، والمستصفى للغزالي 1/ 159، وارشاد الفحول للشوكاني، ص 24.

(2) الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي رقم 809، انظر شرح النووي على شرح المسلم 6/ 192

(3) هكذا في العبارة بتقديم الأناجيل على القرآن، وسيأتي الحديث عن هذه القضية في مبحث خاص.

(4) ص: 5

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت