الأفراد. هذا الأمر نبهت إليه القرائن من أحاديث الدجال. فلو أن المسيح الدجال كان شخصًا بعينه، ويتصف بمثل الأوصاف المذكورة في الأحاديث على وجه الحقيقة، وليس على وجه المجاز، لاستحال على المرء أن يؤمن به. على حين ورد في الحديث (وإن منكم إلاّ ليتبعنّه) [1] وحمار الدجال الموصوف في الأحاديث أن طوله سبعون ذراعا ويخرج من إسته نار وصوته يدوي في الخافقين. يستحيل أن يتولد مثل هذا الحمار على وجه الحقيقة. وأي شارع سيتسع له؟ وكم سيكون حجم المسيح الدجال ليحتاج إلى مثل هذا الحمار بهذا الحجم وهذه المواصفات؟
إن جميع هذه القرائن تدل صراحة على أن ما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم كشف وقد عبر عنه بهذه الألفاظ وكان كشفًا روحيًا ينبغي تأويل مضامينه وهو يشير إلى جماعة أمم وليس إلى شخص بمفرده" [2] ."
ثم يختم الرجل كلامه في المقدمة قائلًا:"والذي يؤكد لنا إشارة اسم المسيح الدجال إلى هذه الشعوب المسيحية التي ذكرناها، هو ما ورد في الحديث الشريف من أن المسيح الدجال يأتي إلى بلاد المسلمين راكبا حمارًا طوله سبعون ذراعًا ويخرج من إسته نار وصوته يدوي في الخافقين، وهذه الأوصاف، تنطبق على الأساطيل البخارية التي كانت في بدايات صنعها بهذا الطول وهذه الأوصاف. الأساطيل البخارية التي صنعت بعد اكتشاف الآلة البخارية، فهي التي تسير على البخار، ويخرج من مؤخرتها نار ولها صفارة بخارية تجعل صوتها يدوي في الخافقين. فالأسطول البخاري الذي اخترعته أوروبا هو الذي وصف في الأحاديث بالأوصاف المذكورة. ونعذر ابن كثير بالتالي خطأ اجتهاده فما كان يمتلك ما نمتلكه من معطيات" [3] .ثم نراه في نهاية الكتاب يفسر الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام وأنبأ عنه موسى عليه السلام في قوله تعالى (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ... ) (80:الكهف) يقول بعد أن ذكر أن الغلام إن رؤى في المنام على هيئة إنسان فإنه يُؤَوَّل له على أنه فقد الاتزان الخلقي، واندفع وراء قضاء شهواته، وما عاد له من مقصد في حياته إلا اللهو واللعب وحياة المجون. نستمع إليه وهو يقول:"والآن ما دمنا بصدد ما أنبأ به إسراء موسى عن أمته [4] ... ومصيرها وخاصة منها الذين ينسبون أنفسهم لفتى موسى أي للمسيح زورًا وبهتانًا. فهذا كله يأخذ بأيدينا الغلام ويوجهنا لنؤول الوارد في هاتين الآيتين الكريمتين على أن المقصود به هو هذا المسيح الدجال الذي بلغت شعوبه رشدها الحضاري والعلمي وانتهجت نهج النظام الرأسمالي المستغل وأخذت تفكر تفكيرًا ماديًا محضا لا تعلم من مقصد لوجودها إلا اللهو واللعب وقضاء الشهوات دون وازع من شرع ولا ضمير. [5] وقبل بيان ما في هذا الكلام الغريب والذي أحسّ معه صاحبه بالغرابة عندما وصل إلى قوله تعالى (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان أبوهما صالحًا) (82:الكهف) ففسر الغلام كما نقله عن تعطير الأنام بقوله:"هو في المنام بشارة لقوله تعالى:
(1) هذه اللفظة ليست موجودة في أحاديث الدجال، علمًا أن الأحاديث الخاصة بالدجال تصرح بان هناك أممًا كثيرة ستكذب هذا الدجال، فكيف يتوافق هذا مع اللفظ المذكور؟ انظر في هذا: الأحاديث التي ذكرها الإمام مسلم في الباب الخاص بالدجال ففيها ما ينفي ما ذكره الكاتب صراحة. شرح النووي على مسلم 18/ 58 - 84.
(2) ص: 6.
(3) ص: 7
(4) هو يقصد أن ما حدث مع موسى والخضر عليهما السلام كان منامًا، وسيأتي الحديث عن هذا فيما بعد.
(5) ص: 124.