هكذا يفسر هذه القصة على نحو مجازي لا علاقة له بالمجاز الذي يعرف في الكتب، وإنما هو مجاز خاص ينطلق منه الكاتب ليصور أن القرآن الكريم ليس له هم ولا هدف إلا الأمم المسيحية الغربية. [1]
ولم يقتصر الكاتب على ذلك بل ويؤوّل ما وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره جميع الرواة على أنه قد وقع حقيقة وشاهده الناس بأم أعينهم يؤوّله على هذه الشاكلة فيصرفه إلى الأمم الغربية، لنستمع إليه وهو يقول في خلاصة موجزة لتفسيره لسورة اللهب ... فالغرب هم مخترعو الصواريخ ذات اللهب سموا في سورة تبت بأبي لهب واستعمل لعملائهم وامرأته حمالة الحطب .. [2]
وكيف يجوز في أي منطق مهما كان منحرفا أن يقبل مثل هذا التفسير الذي يكاد ينكر ما علمه الناس من التاريخ بالضرورة , وماذا نصنع بعبد العزى بن عبد المطلب المسمى بابي لهب وهو عم الرسول عليه السلام وامرأته أم جميل وما نقل عنهما من أحداث في السيرة النبوية؟
باختصار هذا التفسير الذي يريده الكاتب ينحو بنا إلى الانسلاخ من التاريخ وإنكار الحقائق حتى لا يبقى لنا ميزان. ولكن الله تعالى يحفظ هذه الأمة، وهو سبحانه وحده المستعان.
المبحث التاسع: دعوة الكاتب للانهزام أمام الأعداء
لم يكتف الكاتب بما أغرب فيه وأعجب بل راح يستنهض همم المسلمين إلى القعود تاركين أعداء الأمة والدين يسرحون في بلاد المسلمين كما يشاءون فلا مناص من قدر الله تعالى.
يقول عند قوله تعالى (فلن يهتدوا إذا أبدًا) (57:الكهف) :"وهذا هو السر الذي دعاه جل شأنه من قبل، وفي سياق هذا الكلام أن ينصح المسلمين أن لا يفكروا في التصدي لهؤلاء بالقوة ولا أن يعمدوا إلى تهديدهم، فسيبلغ هؤلاء حدا من الظلم والفظاعة ضد الإسلام بحيث لا يعود يجدي معهم إلا تنفيذ الله تعالى لوعيده." [3] . وفي موضع سابق وعند قوله تعالى (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا) (23:الكهف) يقول بعد أن أنكر الحديث الذي يذكره المفسرون عند هذه الآية والخاص بسيدنا سليمان حينما أراد الطواف على نسائه [4] مع العلم أن المفسرين لم يذكروا هذا الحديث تفسيرًا لهذه الآية وإنما أوردوه على جهة التمثيل وحسب، بعد هذا يقول:"وتبعًا لمعاني الألفاظ فالآية تحذر المسلمين وتنهاهم عن أن يتصدوا بالقوة إذا تهددهم هذا الخطر من قبل المسيحيين الأوروبيين في المستقبل، فلا ينبغي في الزمن البعيد المترقب أن يقوم أحد المسلمين مهددًا ومتوعدًا إني فاعل غدا كذا وكذا، بل إن طريق خلاص المسلمين من فرعنة هؤلاء المذكورين الذين اتخذوا لله ولدًا عبّر عنه تعالى بقوله (إلا أن يشاء الله) (24:الكهف) . أي أن يترك المسلمون أمرهم يومئذ لمشيئة الله ربهم. أي إن من واجبهم يومئذ الاعتماد على الدعاء من"
(1) للكاتب كتاب آخر ينحو فيه هذا النحو أسماه (في ظلال دلالات سورة الإسراء) .
(2) ص: 85
(3) ص: 97
(4) تقدم هذا من قبل