عليه من عزوف عن نكاح المؤمنات أو مخافة ميل الزوج لدينها أو الأولاد من بعد، إذ الأساس في هذا الزواج أن يشب الولد على دين أبيه وفضائله وعباداته، فيجب تقييد الزواج بالكتابية، لأن من حق الولي تقييد المباح في بعض الأوقات لبعض الناس لمصلحة راجحة أو لدفع مفسدة مظنونة، لا سيما والمفاسد من شيوع هذا الزواج اليوم لا تحصى في ظل المدنية الحديثة التي اجتاحت عالم اليوم، بفلسفاتها المادية البرجماتية، ونادت بإباحة الجنس والشذوذ، فيتأكد نهى عمر خشية أن تواقعوا المومسات، كما أن الوضع اليوم يختلف جذريا عما كان عليه ابان خلافة عمر من قوة الولاية الإسلامية، وضعفها اليوم في ظل الماديات الجشعة والقوانين الوضعية التي لا تسمح بنقل الأولاد من البلاد الغربية إلى الشرقية (الإسلامية) إذا كانت الأم غربية مما يعظم الضرر بالأبناء ويجعل الجرم عظيما، إذا ما مات الأب وضمت الأم الأبناء لحضانتها ونشأتهم على دينها
فهذا يجعل الضرر محققا عندما يكون الزواج بهن في غير بلاد المسلمين، بل ويكون الضرر مظنونا إذا كان في بلاد المسلمين كخشية الفتنة على الزوج والأولاد وإلحاق الضرر بالمسلمات، فكان في تقييد الإباحة ببعض القيود مصلحة متيقنة ودفع مفسدة راجحة حتى تتحقق الحكمة التي من أجلها شرع ذلك الزواج؛ وهي ترغيب الكتابيات في الإسلام واستمالة قلوبهن لتعاليمه السمحة وبيان هيمنة الرسالة الإسلامية الخاتمة على الشرائع السابقة كلها، قال الكاساني:"جوز نكاح الكتابية لرجاء إسلامها" [1] فإذا ما انتفت هذه المفاسد وتحقق عدم الضرر واستبقاء المصالح فإن زواج الكتابية يكون باقيا على الأصل المنصوص عليه وهو الإباحة شريطة رجحان المصالح فيه على المفاسد [2] على أن الإباحة ليست مطلقة في النص القرآني ولكن مقيدة بكونها محصنة حرة أو عفيفة وهي قضية محل اختلاف بين الفقهاء وكذا كونها من أهل كتاب سماوي معترف به وبيان ذلك فيما يلي:
الفرع الثاني
ضوابط الزواج بالكتابية
(1) بدائع الصنائع جـ2 ص 270
(2) قضايا المرأة للغزالي ص 107 - مسائل وقضايا محمد زكي الدين قاسم ص 375