فهرس الكتاب
هذه احتياطات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتنظيماته، واستعداداته، من الناحية المادية، قدر الطاقة، وقدر ما أسعفه به الوقت القصير.. أما الناحية المعنوية، فكانت متأججة مشتعلة بحكم العقيدة الصلبة، والإيمان الحى، الذى يثير في ضمير المسلم أنه قد باع نفسه وكل ما يملك، ليكسر طاغوت الظلم، ويحطم أغلال القلوب، ويمنح الحرية والنور لكل العالمين.
المعركة
لعلنا قد لمسنا مما سبق كيف كانت"قريش"هى المعتدية، وهى الحانقة، المتحدية، المصممة على استئصال شأفة المسلمين.. وإن هذه الروح الآثمة لتبدو واضحة في كلمات"أبى سفيان"وهو يهدد"بنى عبد الدار"- قبيل بدء المعركة - بأن يسلبهم اللواء:"يا بنى عبد الدار إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد علمتم، وإنما تؤتى الناس من قبل رايتهم، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه"، ويجيبونه بإصرار:"سترى ما نصنع"، وبإشارة خفية تدق الطبول وينطلق صوت النساء:
ويهابنى عبد الدار.. ويها حماة الأدبار.. ضربًا بكل بتار
ثم ينحنى الصوت تجاه الجيش كله، يدوى في المسامع بما يثير من الغل الدفين:
نحن بنات طارق ... * ... نمشى على النمارق
مشى القطا البوارق ... * ... والمسك في المفارق
والدر في المخانق ... * ... إن تقبلوا نعانق
ونفرش النمارق ... * ... أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
ويسمع الرسول صلى الله عليه وسلم ألحان الشيطان تعلو في الوادى فيلجأ إلى ربه قائلا: « اللهم بك أجول، وبك أصول، وفيك أقاتل، حسبى الله ونعم الوكيل، اللهم لا يَعْلُنَّ علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك » .
مشهد تتحرك فيه خلجات الأنفس: صنم من حجر يعلو فوق هودج"قريش"، وأصوات الرجال تنبعث:"يا لعزى.. يا لهبل !!"، وأصوات النساء تنطلق بألحان الإغراء والإثارة.