فهرس الكتاب
وأتت"هند"فبقرت بطنه، وانتزعت كبده، وجعلت تلوكها حتى انفجرت مرارته فرمتها، ومثلت به شر مثلة، حتى جعلت من أمعائه عقدًا تلبسه.
وهكذا تتجرد"قريش"من كل إنسانية، وتنحط إلى درك الوحوش الكاسرة، ولو صح لنا أن نقارن بين هذا الموقف وبين موقف"علىّ"أو"أبى دجانة"السابقين، لم نجد سوى صلة النقيض بالنقيض، والملائكة بالمردة الشياطين، ولرأينا أن البون شاسع بين هوة الكفر وقمة الإيمان !
وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بمصرع عمه، فوقف مكلومًا عليه، ومنظر المثلة بين يديه، وقال: « رحمة الله عليك.. لقد كنت فَعولا للخير، وَصولا للرحم، لن أصاب بمثلك أبدًا، وما وقفتُ موقفا أغيظ إلىّ من هذا [1] ، لئن أظفرنى الله بقريش لأمثلن منهم بثلاثين » ، وكبّر عليه
خمسًا وسبعين تكبيرة، فنزل قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) [2] ، فصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عن
المثلة، وصارت تشريعًا متبعًا في نظام الحروب الإسلامية، مهما بدا من وحشية الأعداء وخستهم واعتدائهم على الحرمات الإنسانية.
وبعد قتل"حمزة" [3] علت"هند"صخرة، وقالت:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... * ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
شفيت نفسى وقضيت نذرى ... * ... فشكرُ وحشىّ علىّ عُمرى
حتى ترمّ أعظمى في قبرى
وأجابتها"هند بنت أثاثة"بقولها:
جزيت في بدر وبعد بدر ... * ... يا ابنة وقاع عظيم الكفر
وأجابها حسان بقوله:
لعن الإله وزوجُها معها ... * ... هند الهنود طويلة البظر
(1) تاريخ ابن خلدون واليعقوبى.
(2) سورة النحل - آية رقم 126.
(3) البدء والتاريخ للمقدس.