فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 58

قد يجد القارئ نفسه في محيط يموج بالأنوار، وتنتشر في أجوائه الأشعة الهادية.. ثم يلعب صبى بأسلاك النور فيقع خلل مفاجئ يقطع التيار، فإذا المصباح يعتم، ثم يسود المكان ظلام موحش سقيم.. كذلك كان التحول المستنكر الذى قلب سير الحوادث فى"أحد".. لحظة من لحظات الضعف الإنسانى عرضت لفريق من الجند، فأوقعت الارتباك في صفوف الجيش كله.. وضاعت في ساعة نزق كل المكاسب التى أحرزتها البطولة الفذة، والتضحية الرائعة.

ولا غرابة، فخطأ الفرد يقع على المجتمع عبؤه.. وكل مسلم على ثغرة من ثغرات الإسلام، فلا يؤتين الإسلام من قبله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) [1] .

المعصية هى سبب الهزيمة

إن كل ما حدث هو ما كان يتخوف رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، حين كرر وصاياه، وشدد تعليماته على الرماة ألا يبرحوا أماكنهم ولو تخطف الطير المسلمين، غير أن أثارة من حب الدنيا عصفت بتلك التوصيات!!

فما أن رأى الرماة نساء"قريش"يهمن في الجبل، والرجال يُولون الأدبار، والغنائم تزحم الوادى.. حتى غادروا مواقعهم هابطين بغية جمع الأسلاب، لكن قائدهم"عبد الله بن جبير" [2] - وهو الذى اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه المهمة الخطيرة - ناداهم:"أنسيتم ما قال لكم رسول الله ؟"، قالوا:"والله لنأتين الناس ولنصيبن من الغنيمة"، قال"عبد الله":"لا أجاوز أمر رسول الله"، قالوا:"لم يرد هذا قد انهزم المشركون".

وثبت"عبد الله"ومعه نفر يسير دون العشرة.. وكان"خالد بن الوليد"محسورًا بهزيمته من"الزبير"فما أن شاهد هذا الانسحاب، حتى اهتبل الفرصة على عجل، ولوى أعناق الخيل، واستأصل"ابن جبير"ومن بقى معه، وانقض على المسلمين من الخلف، من حيث لا يحتسبون.

(1) سورة الأنفال - آية رقم 25.

(2) فقه السيرة للإمام/ محمد الغزالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت