فهرس الكتاب
ورأى الفارون [1] بوادر هذا التغير الطارئ، فعادوا حتى إن امرأة تسمى"عمرة بنت علقمة"الحارثية، هى التى رفعت لواء"قريش"من التراب، وثاب المشركون إلى رايتهم، وأحيط بالصحابة من الخلف والأمام، ووقعوا بين شقى الرحى.
على أن الرجال الأحرار لا يصادون بسهولة، إنهم شدهوا لما حدث حتى قتل بعضهم الصحابى الجليل"اليمان"والد"حذيفة"خطأ.. لكنهم صمدوا للنزال بحرارة رائعة.. وإن كان هدفهم قد تغير إلى محاولة النجاة من أى طريق يُخلصهم من هذا المأزق العضوض.. واستشهد الكثير وهم يحاولون شق الطريق.
وانقطع الاتصال بين القائد والجيش، ولا أخطر من هذا الانقطاع، تنهار به الروح، وتكثر الإشاعات والأوهام، ولا تجمع الجيش خطة واحدة.
معاناة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبلغت الشدة أن خلص المشركون قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ورماه"عتبة بن أبى وقاص" (وقيل"عبد الله بن قميئة") [2] بحجر كسر أنفه ورباعيته، ودخلت حلقتان من المِغفر في وجنته، وشجه في وجهه، فأثقله الألم وتفجر الدم من وجهه الشريف.. فأكب عليه"أبو عبيدة"يعالج انتزاع الحلقتين بفمه، فما خلصت من لحمه حتى سقطت معها ثنيتاه، ونزف الدم الغزير، فقام"مالك بن سنان الخدرى" (والد أبى سعيد ) فمص الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم: « من مس دمه دمى لم تمسه النار » .. وأسرع"علىّ بن أبى طالب"بماء يغسل الدم المراق.. لكن الماء جعله يزداد.. فأتت فاطمة الزهراء بجزء من حصير فحرقته ووضعته موضع المغفر، فتوقف النزيف.
وبينما يسير الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذا به يقع في حفرة من الحفر التى صنعها"أبو عامر"الفاسق، ليقع فيها المسلمون.. فأخذ"علىّ بن أبى طالب"بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورفعه"طلحة بن عبيد الله"حتى استوى قائمًا.
(1) فقه السيرة للإمام/ محمد الغزالى.
(2) البدء والتاريخ.