وبمثل هذه التوجيهات الحكيمة محيت من نفوس المسلمين هذه التفرقة محوًا قاطعًا ، فقد أرسل"عمرو بن العاص"إلى المقوقس وفدًا وجعل رئيسه"عبادة بن الصامت"وكان أسود اللون ، فغضب المقوقس لسواده ، وبسطة جسمه وطلب أن يتكلم غيره ، فرفض الوفد قائلًا:"إن هذا أفضلنا رأيًا وعلمًا وهو سيدنا وخيرنا".
لا تمييز بسبب الدين:
ولا تمييز في الإسلام كذلك بالنسبة للمعاملة بسبب الدين أو التقوى والصلاح - كما ألمحنا إلى ذلك فيما سبق - ، إن النفس الإنسانية محترمة مكرمة بدون نظر إلى دينها أو جنسها ، فقد مرت جنازة على النبي صلي الله عليه وسلم فوقف لها ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ . فَقَالَ النبي صلي الله عليه وسلم:"أَلَيْسَتْ نَفْسًا" [1] .
فإذا ما حدثت مقاضاة بين اثنين وكان أحدهما أتقى من الآخر ، أو كان أحدهما مسلمًا وكان الآخر يهوديًا أو مسيحيًا ، فلا اعتبار لشيء من ذلك أمام القضاء .
شكا يهودي"عليًّا"إلى"عمر"في خلافة"عمر"، فلما مثلا بين يديه خاطب"عمر"اليهودي باسمه وخاطب"عليًّا"بكنيته ، فقال: يا أبا الحسن ، حسب عادته في الخطاب ، فظهر أثر الغضب على وجه"عليّ"، فقال له"عمر": أكرهت أن يكون خصمك يهوديًّا ، وأن تمثل معه أمام القضاء وعلى قدم المساواة ؟! فقال"علي":"ولكنني غضبت لأنك لم تسو بيني وبينه ، بل فضلتني عليه ، إذ خاطبته باسمه بينما خاطبتني بكنيتي".
هكذا غضب"علي"لهذا التمييز الواهي غير المقصود ، و"علي"ليس مسلمًا فقط وخصمه يهودي .. ولكن من الصفوة الممتازة من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم.
لا تمييز بين قوي وضعيف:
ولا اعتبار كذلك للوضع الاجتماعي ، فلا تمييز في القضاء بين قوي وضعيف ، أو شريف وسوقة ، أو حاكم ومحكوم .
(1) أخرجه البخاري - كتاب الجنائز - باب من قام لجنازة يهودي - حديث رقم 1312 .