وإذا كان الإسلام لا يضع في اعتباره أمام المساواة بين الإنسانية كلها عوامل الدين ولا اللغة ولا الجنس ولا اللون ولا الرأي السياسي ، فهو كذلك لا ينظر إلى الأصل الوطني على أنه ميزة تعطي لصاحبها حقًّا أفضل من الغريب .. فلقد كانت مكة هي الموطن الأصلي لرسول الله صلي الله عليه وسلموللمهاجرين رضى الله عنهم.
ولما ذهبوا إلى المدينة وجدوا فيها بروح الإسلام وطنًا وأهلًا وأنصارًا لم يظفروا بهم في موطنهم مكة ، ذلك أن الإسلام جعل وطن المسلم ليس هو الأرض التي ولد عليها وعاش عليها فقط ، ولكن الوطن الصحيح هو الأرض التي وجد نفسه حرًّا عليها في دينه وعقيدته ويحكمها الإسلام ، أيًّا كانت هذه الأرض ، وأي انحراف عن هذه النظرة نفاق ومرض نفسي .
هذا"عبد الله بن أُبي"يثير فتنة في غزوة"بني المصطلق"أساسها أن الرسول صلي الله عليه وسلموصحبه المهاجرين غرباء عن المدينة ، وأن أهل المدينة هم الذين آووهم ونصروهم ، ولو أن أهل المدينة منعوا عنهم المعونة لانفضوا عن هذا الوطن ، ومغزاها أن الوطني أعز من الغريب ، ولو كان مشتركًا في الدين واللغة ، وفي هذا يقول الله - عز وجل -: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ>7< يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) [1] .
لا تمييز بسبب الغنى والفقر:
(1) سورة المنافقون - الآيتان 7 ، 8 .