لقد منح عقلًا وتفكيرًا وإرادة ، وفتحت له أبواب الاختيار والتمييز بمقتضى هذا العقل وتلك الإرادة ، لا سلطان عليه ، ولا جبار يقف بالمطرقة بين يديه .. إن الله تعالى قد جعله سيد هذا الوجود ، وجعل الكون كله مسخرًا لخدمته ، وجعل المخلوقات جميعًا تطأطئ رأسها لهامته .
إن هذه الحرية التي وهبها الله تعالى لبني الإنسان منذ أن وطئوا بأقدامهم هذه الأرض شيء نفيس وهبة غالية لا ينبغي التفريط فيها لأي متسلط جبار .. إن معنى العبودية لله وحده أن يخلع الإنسان كل عبودية لما سواه .. وهذا هو أصل العقيدة الإسلامية .. وأن يتخلص الإنسان من كل ذلة أو خضوع لغير الله تعالى .. إن الجبين الذي يسجد لرب العباد ، لا ينبغي له ولا يتأتى منه أن يخفضه لغير الله تعالى .. من هذا المعنى الحي انطلق صوت"عمر بن الخطاب"يستنكر ما فعله ابن"عمرو بن العاص"قائلًا:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ؟!"
ومن هذا المعنى كذلك سخر سيدنا"موسى"%/ من"فرعون"المتسلط على بني إسرائيل قائلًا: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ) [1] .
بل إن هذا المعنى السامي هو الذي يفرض على المسلمين أن يحاربوا المستبدين لإنقاذ المستضعفين:
(وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) [2] .
(1) سورة الشعراء - الآية 22 .
(2) سورة النساء - الآية 75 .