فهرس الكتاب
قلت: أما عن الحديث الذي رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار: ( تقتلك الفئة الباغية ) فالبغي هنا لا يلستلزم الفسق وخاصة ان كان صحبه متأولا .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية في معرض كلامه على هذا الحديث: ( قد تأوله بعضهم على أن الباغية الطالبة بدم عثمان ، كما قالوا نبغي ابن عفان بأطراف الأسل ، وليس بشيء بل يقال ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق كما قاله ، وليس في كون عمار تقتله الفئة الباغية ماينافي ما ذكرناه فانه قد قال الله تعالى:( وان طائفتان بين أويكم ) "الحجرات"- 10". فقد جعلهم مؤمنين ، وليس كل من كان باغيا ، أو ظالما ، أو معتديا ، أو مرتكبا ما هو ذنب فهو"قسمان"متأول ، وغير متأول ، فالمتأول المجتهد: كأهل العلم والدين ، والذين اجتهدوا ، واعتقد بعضهم حل الأمور ، واعتقد الآخر تحريمها كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة ، وبعضهم بعض المعاملات الربوية وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة وأمثال ذلك ، فقد جرى ذلك وأمثاله خيار السلف . فهؤلاء متأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون ، وقد قال الله تعالى: ( ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ) "البقرة: 286". وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء ."
وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان عليهما السلام أنهما حكما في الحرث ، وخص أحدهما بالعلم والحكم ، مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم ، والعلماء ورثة الأنبياء ، فاذا فهم أحدهم من المسألة مالم يفهمه الآخر لم يكن بذلك ملوما ولا مانعا لما عرف من علمه ودينه ، وان كان ذلك مع العلم بالحكم يكون اثما وظلما ، والاصرار عليه فسق ، بل متى علم تحريمه ضرورة كان تحليله كفرا ، فالبغي هو من هذا الباب .