فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 100

والثاني: أنه عقوبة له لتأخره ، وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقًا للدعاء عليه ؛ فلهذا أدخله في هذا الباب ، وجعل غيره من مناقب معاوية ؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاء له . وقد أشار الذهبي في"سير أعلام النبلاء" [ 9 / 171 / 2 ] الى هذا المعنى الثاني ، فقال"قلت: لعل أن يقال هذه منقبة لمعاوية ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: اللَّهم من لعنته أو سببته ؛ فاجعل ذلك زكاة ورحمة". واعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ..."

إنما هو تفضيل لقوله تعالى { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ } (الكهف:110) .

وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء الى إنكار مثل هذا الحديث ؛ بزعم تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام ، وتنزيهه عن النطق به ‍، ولا مجال الى مثل هذا الإنكار ؛ فإن الحديث صحيح ، بل هو عندنا متواتر ، فقد رواه مسلم من حديث عائشة وأم سلمة ، ومن حديث أبي هريرة وجابر ، وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي طفيل وأبي سعيد وغيرهم .

وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمًا مشروعًا ، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم صحيحًا ثابتًا وبذلك يجتمع الإيمان به صلى الله عليه وسلم عبدًا ورسولًا ، دون إفراط ولا تفريط ؛ فهو صلى الله عليه وسلم بشر بشهادة الكتاب والسنة ، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقًا بنص الأحاديث الصحيحة ، وكما يدل عليه تاريخ حياته صلى الله عليه وسلم وسيرته ، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة والخصال الحميدة التي لم تكتمل في بشر إكتمالها فيه صلى الله عليه وسلم ، وصدق الله العظيم إذ خاطبه بقوله الكريم: { وإنكَ لعلى خلق عظيم } ( القلم: 4 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت