حقيقة العبادة
وذلك أن العبادة هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له وهي التي خلق الخلق لها قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه: {اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] وجعل ذلك لازما لرسوله إلى الموت كما قال: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] ونعته الله بالعبودية في أكمل أحواله في الإسراء والإيحاء والدعوة، ونعت صفوة خلقه بالعبودية فقال: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [ص: 45] {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} [ص: 41] {فَبِشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 17، 18] .
فالدين كله داخل في العبادة وقد ثبت في الصحيح أن جبريل عليه السلام لما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة أعرابي فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان فأجابه بذلك ثم قال في آخر الحديث: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» [1] فجعل هذا كله من الدين، والدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال دنته فدان أي أذللته فذل، ويقال ندين الله وندين لله، أي نعبد الله ونطيعه ونخضع له، والعبادة أصل معناها الذل أيضًا يقال: طريق معبد أي كان مذللا قد وطئته الأقدام.
لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل
(1) رواه مسلم.