ولثبوت السنة في ذلك في أدلة خاصة في الصوم، ففي الصحيح من حديث عدي بن حاتم ـ رضي الله عنه ـ: أنه صام فجعل تحت وسادته عقالين ـ وهما الحبلان، اللذان تشد بهما يد البعير إذا برك ـ أحدهما أسود، والثاني: أبيض، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين له الأبيض من الأسود، ثم أمسك، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس المراد بالخيط الأبيض والأسود في الآية الخيطين المعروفين، وإنما المراد بالخط الأبيض، بياض النهار، وبالخيط الأسود الليل، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصوم. [أخرجه البخاري، ومسلم] ؛ لأنه كان جاهلًا بالحكم، يظن أن هذا معنى الآية الكريمة.
وأما الجاهل بالوقت ففي صحيح البخاري، عن أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ قالت: (( أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعة الشمس ) ) [أخرجه البخاري] ، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا لأمرهم به، ولو أمرهم به لنقل إلى الأمة، لقول الله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإِنا له لحافظون} [سورة الحجر: 9] . فلما لم ينقل مع توافر الدواعي على نقله عُلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم به، ولما لم يأمرهم به ـ أي بالقضاء ـ عُلم أنه ليس بواجب، ومثل هذا لو قام الإنسان من النوم يظن أنه في الليل فأكل أو شرب، ثم تبين له أن أكله وشربه كان بعد طلوع الفجر، فإنه ليس عليه القضاء؛ لأنه كان جاهلًا.
وأما الشرط الثاني: فهو أن يكون ذاكرًا، وضد الذكر النسيان، فلو أكل أو شرب ناسيًا، فإن صومه صحيح، ولا قضاء عليه، لقول الله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فقال الله تعالى: (( قد فعلت ) )ولحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من نسي وهو صائم فأكل، أو شرب فليتم صومه فإنما، أطعمه الله وسقاه" [رواه مسلم] .