ثم قال تعالى چ ہ ہ ہ ھھ چ أي ومن دخل الحرم بحدوده المعروفة كان آمنا على دينه ونفسه وعرضه وماله ، وهذا الأمن مترتب على اعتقاد ساكنيه والوافدين عليه بحرمته وقداسته ، ومما ينتج عن ذلك أن مكة المكرمة وسائر نواحي الحرم ليست بحاجة إلى حماية الأمن بها من قبل المسؤولين لأن الوازع الديني الذي يفرض تقديس الحرم يجب أن يكون مسيطرًا على النفوس فيمنعها من أن تستجيب لنزواتها المنحرفة .
وقد كان هذا الوازع مسيطرا على العرب في الجاهلية على الرغم من أنهم لم يكونوا على دين صحيح، وإنما توارثوا تقديس هذا الحرم الذي كان من الآثار الباقية لدعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وعمَّق ذلك في نفوسهم أن هذا البيت لم تصل إليه يد جبار من الجبابرة على الإطلاق، وما حادثة أصحاب الفيل منهم ببعيد ، بينما وصلت أيدي الجبابرة إلى المسجد الثاني الذي كان مقدسا عند الأنبياء عليهم السلام وهو بيت المقدس .
ولقد كان القاتل من العرب يلجأ إلى الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يتعرض له ولايهيجه حتى يخرج من الحرم، وإذا كان هذا شأن صاحب الثأر الذي تُلزمه الأعراف الاجتماعية بأخذ الثأر فمن باب أولى أن يمتنع عن الاعتداء من كان في نفسه ميل إلى الظلم .
ولقد جاءت هذه الجملة من الآية في سياق تعداد آيات الله تعالى الدالة على وحدانيته جل وعلا، فهو سبحانه الذي غرس في قلوب العرب جميعا تقديس هذا البيت واحترام الأمن فيه، وإن جَمْعَ العرب على عقيدة واحدة مع اختلاف مشاربهم وتضخُّم العداوة فيما بينهم لايمكن أن يكون إلا من عند الله تعالى .
هذا وإن أي إخلال بالأمن داخل الحرم في مكة وما حولها يعدُّ تعطيلا لمدلول هذه الآية من قِبَل المسلمين بعدما كان مطبقا من قِبَل المشركين، وهذه منقصة كبيرة ومساءة عظيمة في سمعة المسلمين .