وإننا حينما نستعرض تاريخ المسلمين نجد فرقًا شاسعا بين واقعهم ومدلول هذا الآيات ، فالمسلمون في هذا الحرم الشريف لايشعرون بالأمن الكامل على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ، حيث أصبح الوضع يحتاج إلى حماية من قوات الأمن كأي بلد آخر ، ونجد بعض المسلمين قد هبط مستواهم في الوازع الديني فيما يتعلق بقدسية الحرم و احترام الأمن فيه عما كان عليه أهل الجاهلية ، بينما كان المفترض أن يتضاعف لدى المسلمين الشعور بقدسية الحرم واحترام الأمن فيه لما ورثوه عن أسلافهم ، ولما جاء من تعظيم الحرم والأمر باحترام الأمن فيه في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن مدلول هذه الآية يقتضي أنَّ من دخل منطقة الحرم كان في منطقة أمان لا يحتاج فيها إلى أخذ الحيطة والحذر لنفسه .
وإن من مقاصد الحج تعظيم مكة المكرمة والمشاعر المقدسة , ولقد عظَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - شأن مكة المكرمة , وبيَّن فضلها على سائر بقاع الأرض بقوله « والله إنك لخير أرض وأحب أرض الله إلى الله , ولولا أني أُخرجت منك ماخرجت» أخرجه الدارمي وابن ماجه (1) .
وهذا يضفي على مكة المكرمة قداسة ترسخ حرمتها ومكانتها .
ولقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرمتها بالتفصيل يوم فتح مكة , حيث قال: « إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض , فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة , وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي , ولم يحل لي إلا ساعة من نهار, فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة , لايُعضد شوكه , ولاينفر صيده , ولايَلتقط لقطته إلا من عرفها , ولايُختلى خلاه» متفق عليه (2) .
(1) ... سنن الدارمي , رقم 2510 (2/311) , سنن ابن ماجه , رقم 3108 (1037) .
(2) ... صحيح مسلم , رقم 1353 (ص986) , صحيح البخاري , رقم 104, (1/197) .