فهرس الكتاب
ومن علمائنا ـ عليهم رحمة الله جميعًا ـ الذين أبرزوا المعنى المؤكد. سيبويه حيث قال عن مِن: على أنها نص في العموم قال فإذا قلت ما أتاني رجل فإنه يحتمل ثلاثة معان
أحدها: أن تريد ما أتاك من رجل في قوته ونفاذه بل أتاك الضعفاء.
ومعنى كلام سيبويه أنَّ النفي توجه بسبب دخول مِن إلى نوعٍ مخصوص من الرجال فقدأتاه رجال لكنهم ليسوا على ماتطلعت إليه نفس المتحدث فدخولها أكد نفي نوع معين من الرجال.
*ومن هذا ماذكره الطبري ـ رحمه الله ـ عند تفسير قو له تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا} (17) سورة الإسراء
وقوله (وكَفَى بِرَبِّكَ) أدخلت الباء في قوله (بِرَبِّكَ) وهو في محلّ رفع، لأن معنى الكلام: وكفاك ربك، وحسبك ربك بذنوب عباده خبيرا، دلالةً على المدح، وكذلك تفعل العرب في كلّ كلام كان بمعنى المدح أو الذمّ، تدخل في الاسم الباء؛ والاسم المدخلة عليه الباء في موضع رفع لتدلّ بدخولها على المدح أو الذمّ كقولهم: أكرم به رجلا وناهيك به رجلا وجاد بثوبك ثوبا، وطاب بطعامكم طعاما، وما أشبه ذلك من الكلام، ولو أسقطت الباء مما دخلت فيه من هذه الأسماء رفعت، لأنها في محلّ رفع، كما قال الشاعر
ويُخْبرُنِي عَنْ غائبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ... كَفَى الهَدْيُ عَمَّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبرًا
فأما إذا لم يكن في الكلام مدح أو ذمّ فلا يدخلون في الاسم الباء؛ لا يجوز أن يقال: قام بأخيك، وأنت تريد: قام أخوك، إلا أن تريد: قام رجل آخر به، وذلك معنى غير المعنى الأوّل.
الأمثلة التي ذكرها الطبري للمدح ومن أمثلة الذم: أقبح بالمنافق صاحبا, ساء بعقله حمقا.
*وكذلك ماوردفي مشكل إعراب القرآن للإمام مكي بن أبي طالب ـ رحمه الله ـ المتوفى سنة 437: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (42) سورة العنكبوت
و"مِنْ"زائدة كأنه قيل: ما يدعون من دونه ما يستحق أن يُطلق عليه شيء.] انتهى.
أقول فهولا يرى أنّها نفي لأي شيء بل هي حرف توكيد وقع لإبراز بطلان دعواهم أحقية آلهتم بالعبادة, وليس المقصودنفًيا مطلقا لأي إله. بل هي نفي لأحقية أي شيء بالعبادة غير الله.
وقال الزمخشري رحمه الله