فهرس الكتاب
في قوله تعالى {وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} (33) سورة العنكبوت دخلت أنْ في هذه القصة ولم تدخل في قصة إبراهيم في قوله {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} (31) سورة العنكبوت. تنبيها وتأكيدا على أن الإساءة كانت تعقب المجئ، فهي مؤكدة في قصة لوط للاتصال واللزوم، ولا كذلك في قصة إبراهيم، إذ ليس الجواب فيها كالأول. فقوله: {للاتصال واللزوم} هذا إبراز للمعنى المراد توكيده من إيراد أن؛ فالمعنى الذي أكدته أنْ. أنَّ المجيء والمساءة متعاقبان بلا فاصل زمني ,كأن أقول عن شخص جبان: فلما أن رأى الأسد ارتعدت فرائصه.1
(1) ... ومن نماذج إبراز المعنى المؤ كد ماورد عند القرطبي:
والتعبير بالإساءة هنا خطأ والصواب المساءة لأنَّ فعلها ساء لا أساء. وقد نقلت عنه التعبير بهذا اللفظ في مبحث [أنْ]
{وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} (102) سورة الأعراف
{مِنْ} زائدة، وهي تدل على معنى الجنس؛ ولولا {مِنْ} لجاز أن يتوهم أنه واحد في المعنى. قال ابن عباس: يريد العهد المأخوذ عليهم وقت الذر. قوله واحد في المعنى أي عهدٍواحد. فأفادت من تخصيص جنس العهد.
ودخولها رفع التوهم المحتمل في حذفها فهي أكدت معنى لا يفهم إلا بد خولها.
ومن المعاني المؤكدة بهذه الحروف مانقف عليه من قوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} (11) سورة غافر. والمعنى المؤ كدمن حرف الجر والاستفهام هو استبعاد أي سبيل يخرجون به, وأفاد أيضا تمكن اليأس والقنوط من نفوسهم وعظيم تحسرهم على حالهم.
وقال ابن عاشور ـ رحمه الله ـ في التحرير والتنوير {فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (96) سورة يوسف
و) أن (في قوله: {فلما أن جاء البشير} مزيدة للتأكيد. ووقوع {أنْ} بعد لمّا التوقيتية كثير في الكلام.
وفائدة التأكيد في هذه الآية تحقيق هذه الكرامة الحاصلة ليعقوب عليه السلام لأنها خارق عادة، ولذلك لم يؤت بـ أن في نظائر هذه الآية مما لم يكن فيه داع للتأكيد.
وذكر الزمخشري بأنّ من المعاني المؤكدة [بأنْ] تحقيقَ المعنى الذي تدخل عليه.