الصفحة 194 من 244

والمعنى المحقق هنا هو سرعة الإلقاء الذي باشره ارتداد البصر, والارتداد معطوف بالفاء المفيدة للتعقيب ,والإلقاء وارتداد البصر جعله يباشر القول بنذكيرهم بتعليم الله له.

وقال أيضا: {قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} . 57 الأنعام.

والباء التي عدّي بها فعل {كذّبتم} هي لتأكيد لصوق معنى الفعل بمفعوله، ثم تحسس المعنى المؤكد الذي يستفاد من دخول الباء فقال: ولعلّ الاستعمال أنّهم لا يُعدّون فعل التكذيب بالباء إلاّ إذا أريد تكذيب حجّة أو برهان ممّا يحسب سببَ تصديق، فلا يقال: كذّبتُ بفلان، بل يقال: كذّبت فلانًا قال تعالى: {لَمَّا كذبوا الرسل} (الفرقان: 37) وقال: {كذّبت ثمودُ بالنُذُر} (القمر: 23) .والمعنى التعريضيّ بهم في شأن اعتقادهم في آلهتهم باق على ما بيَّنّاه. والاستعجال طلب التعجيل بشيء، فهو يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو المطلوب منه تعجيل شيء. فإذا أريد ذكر الأمر المعجّل عدّي إليه بالباء. والباء فيه للتعدية

أقول: دخلت الباء هنا لأنَّ المكذب دلائل وبينات فهي معاني ,وليس المكذب أعيانا, وهذا معنى دقيق, فمن الممكن أن نقول إنَّه إذا أريد تأكيد المعاني فيكثر دخول الباء على هذه المعاني بخلا ف الأعيان ,مثل: صدقت بقول الفقيه. دخلت الباء على معنى. بخلاف صدقت الفقيه. فقد دخلت على عين.

كما تحسس الشيخ علي النجدي ناصف ـ رحمه الله ـ فائدةَ [ما] موازنا بين آيتين في سورة الشورى هما قوله تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37 {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39] .فقال: [ونلاحظ أن (إذا) الشرطية مذكورة في كلتا الآيتين، لكنها أتبعت في الآية الأولى بما الزائدة، ولم تتبع بها في الأخرى، وإذًا يمكن أن يقال: إن العفو المذكور في الآية الأولى ليس عفوًا مرسلًا لا يخصصه وصف، ولا يحده وقت، إنه عفو المبادرة والفور، يملك صاحبه عند الغضب، وينزله على حكمه، فيمضيه غير متلبث به ولا متردد فيه ... أما الآية الأخرى إذ تذكر البغي والانتصار من البغاة - فالأمر فيها مختلف، والحال غير الحال، لأنها خلت من زيادة (ما) بعد (إذا) ، وفي هذا إشارة إلى أنها تدعو إلى إباء البغي ومناهضة البغاة دعوة مطلقة، لا تسمي لها أجلًا، ولا تجعل لها موعدًا، لأن أحوال البغاة والمجاهدين ليست سواء، فقد تكون المبادرة خيرًا في حال، وشرًّا في حال أخرى، وإنما الأمر كله بيد أهل الحل والعقد]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت