فهرس الكتاب
{مِن بَشِيرٍ}
أكَّد الحرف [من والله أعلم] نفي مجي بشير يستحق الاتباع حسب رؤيتهم ومقاييسهم؛ لهذا نجد أنَّ من أسباب كفر المشركين استغرابهم واستنكارهم بعث من يرون أنّه لا يستحق الاتباع؛ وومن هذا قوله تعالى: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} (41) سورة الفرقان , {فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ} (24) سورة القمر؛ {بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} (2) سورة ق؛ فدخول [من] يؤكد أنَّ البشير المنفي هو البشير الذي لا يوافق أهواءهم؛ ومن هذا قولنا: مانزل علينا من مطر, تختلف عن قولنا: مانزل علينا مطر؛ فلأولى تدل على نزولٍ قليل لم يبلغ ماتتشوف إليه النفوس, والثانية تدل على نفي النزول بالكلية.
كما أكدت [من] المبالغة في نفي مجيء البشير ,والفرق بين دخول [من] أوأحد أخواتها فرق يتحسسه الذوق المطبوع, وقد نقل الزركشي في البرهان عن أحد العلماء رحمهم الله قولهم: [هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائدٍلا يجدونه بإسقاط الحرف قال: ومثال ذلك مثال العارف بوزن الشعر طبعا فإذا تغير البيت بزيادة أو نقص أنكره وقال: أجد نفسي على خلاف ما أجده بإقامة الوزن فكذلك هذه الحروف تتغير نفس المطبوع عند نقصانها ويجد نفسه بزيادتها على معنى بخلاف ما يجدها بنقضانه.] اهـ
وحين نصل في تلاوة الآية إلى قوله تعالى: {أَن تَقُولُوا مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} نجد قبل الوصول إلى تلاوة {بشير} نجدفي الشعور التلقائي لمن يقرأها بتدبر أنَّ المد فيـ [ماجاءنا] مشعر بأنهم سيتحسرون حين تنقطع بهم السبل و يعاينون هول الموقف, بل قد أذهب إلى أكثرمن هذا فأقول إنَّ يأسهم في هذا الموقف قد ينضم إليه تحريك رؤوسهم يمنة ويسرة تحريك من ضاقت حيلته وعاين العقوبة وأيقن نزولها بل إنهم في قولهم هذا يعلمون أنهم كاذبون في دعواهم النفي, فكأنّ في الآية مايشير إلى رأفةبهم بدعوتهم إلى الإيمان قبل زمن الحسرة ,وأنهم سيقولونها, ولكن عليكم الا ستعتاب قبل فوات المهلة؛ فإنَّ أمامكم يومًا من أهواله وصف حالهم أنهمـ {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} (84) سورة النحل؛ وذكر أبو السعود ـ رحمه الله ـ [وزيادة من في الفاعل للمبالغة في نفى المجيء]
وقال علي ناصف النجدي ـ رحمه الله ـ في كتاب مع القرآن الكريم دراسة مستلهمة: وما من قارئ ولا سامع إلا يحس ما صنعته (مِن) الزائدة من توكيد النفي في قوله تعالى: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ} [المائدة: 19] ، وإلا يدرك الفرق بين المعنى مع الزيادة والمعنى بدونها - فإن نفي مجيء البشير في الآية مع (من) الزائدة غير نفي مجيئه بدونها في نحو قولنا: ما جاءنا بشير، إنه في الآية نفي جامع مستوعب لكل بشير، وهو في العبارة نفي لمجيء واحد منهم لا غير، لكنه ليس نفيًا لمجيء أكثر منه.
* {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (73) سورة المائدة