فهرس الكتاب
في الثانية زائدتان, أي في الإعراب. فيظن من لا بصر له أنهما كذلك في النظم ويقيس عليه, مع أنَّ في هذه الزيادة لونا من التصوير لوهو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته؛ فإنَّ المراد بلآية الأولى, تصوير لين النبي صلى الله عليه وسلم لقومه, وإنًّ ذلك رحمة من الله, فجاء هذا المد في [ما] وصفا لفظيا يؤكد معنى اللين ويفخمه, وفوق ذلك فإنَّ لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية لا يُيتَدأهذا المعنى بأحسن منها في بلاغة السياق, ثم كان الفصل بين الباء الجارة ومجرورها (وهولفظة رحمة) مما يلفت النفس إلى تدبر المعنى وينبه الفكر على قيمة الرحمة فيه؛ وذلك كله طبعي في بلاغة الآية كما ترى؛ والمراد بالثانية تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف وبين مجيئه لبعدماكان بين يوسف وأبيه عليهما السلام وأنَّ ذلك كأنه كان منتظرا بقلق واضطراب تؤكدهما وتصف الطرب لمقدمه واستقراره, غُنة هذه النون في الكلمة الفاصلة؛ وهي"أنْ"في قوله"أنْ جاء"وعلى هذا يجري كل مايظن أنه في القرآن مزيد.
5ـ النبأ العظيم
عبد الله محمد درَاز رحمه الله
1894ـ 1958م
يقول رحمه الله: [دع عنك قول الذي يقول في بعض الآيات القرآنية"إنها مقحمة"وفي بعض حروفه إنها"زائدة"زيادة معنوية. و دع عنك الذي يستخف كلمة"التأكيد"فيرمي بهافي كل موطن يظن في الزيادة, لا يبالي أن تكون تلك الزيادة فيها معنى المزيد فتصلح لتأكيده أولا تكون, ولا يبالي أن يكون بالموضع حاجةٌ إلى هذا التأكيد أولا حاجة له به. وقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (11) سورة الشورى. أكثر أهل العلم قد ترادفت كلمتهم على زيادة الكاف بل على وجوب زيادتها في الجملة, فرارًامن المحال العقلي الذي يُفضي إليه بقاؤها على معناها الأصلي من التشبيه, إذرأواأنهاحينئذٍ تكون نافية الشبيه عن مثل الله, فتكون تسليمًا بثبوت المثل له سبحانه أوعلى الأقل محتملة لثبوته وانتفائه ... ولورجعت إلى نفسك قليلا لرأيت هذا الحرف في موقعه محتفظًا بقوة دلالته ... ونحن نبين لك هذا من طريقين أحدهما أدق مسلكًا من الآخر:
الطريق الأول وهو أدنى إلى فهم الجمهورأنه لوقيل"ليس مثلَه شيء"لكان ذلك نفيا للمثل المكافئ, وهوالمثل التام المماثلة فحسب, إذأنَّ هذا المعنى هوالذي ينساق إليه الفهم من لفظ المثل عند إطلاقه. وإذًا لدب إلى النفس دبيب الوساوس والأوهام أنْ لعل هناك رتبة لا تضارع رتبة الألوهية ولكنها تليها ... فكان وضع هذا الحرف في الكلام إقصاء للعالم كله عن المماثلة وعما يشبه المماثلة وما يدنومنها, كأنه قيل ليس هناك شيء يشبه أن يكون مثلًا لله ,فضلا أن يكون مثلًا على الحقيقة.
(الطريق االثاني) وهوأدقها مسلكًا, أنَّ المقصود الأولي من هذه الجملة وهو نفي الشبيه وإن كان يكفي لأدائه أن يقال:"ليس كالله شيء"أو"ليس مثلَه شيء"لكن هذا القدر ليس كل ماترمي إليه