فهرس الكتاب
"بصدر الهم".
ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج، ويتنكد في الرخاء خوفًا من أن لا يدوم ينشد:
(توقع زوالا إذا قيل تم) وينشد: (وعند التناهي يقصر المتطاول) وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب. ومثل هذا عمره محصور يمر ضياعا.
ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسدًا لك وقصدًا لتصغير قدرك عندك، وتذهيدا لك فيه، فلا يحملك ذلك على أن تذهد في عملك وتركن إلى العلم الذي مدحوه، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه، ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه فبقي مخبل المشي كما قيل:
إن الغراب وكان يمشى مشية ... فيما مضى من سالف الأجيال
حسد القطا وأراد يمشى مشيها ... فأصابه ضربٌ من العقال
فأضل مشيته وأخطأ مشيها ... فلذاك كنوه (أبا مر قال)
ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزمان وأهله، ويقول: ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل، ولا مكان يرتاح فيه، فإن الذين تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممن صحبهم الحرمان، واستحقت طعلتهم للهوان، وأبرموا على الناس بالسؤال فمقتوهم. وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها. فاستراحوا إلى الوقوع في الناس. وأقاموا الأعذار لأنفسهم بقطع أسبابهم، ولا تُزل هذين البيتين من فكرك: