ومن عجائب العلم، أن تدفقه بالنشر والبلاغ، يزيد من اتساعه وبركته، لاسيما مع الإخلاص كما قالوا (زكاة العلم بركته) .
وقال الاليبري:
يزيدُ بكثرة الانفاق منه وينقصُ إنْ به كفًا شددتا
فتخيل أن البسطة مورثة للتدفق المثمر، للتوسع والنضج والغزارة، وهذا شئ عجيب لا يفقهه إلا من ذاق حلاوة العلم، ومارس متون تدريسه وتبليغه. فعلى سبيل المثال كان الإمام ابن المبارك رحمه الله يتكلم في كل فن، وجمع الخير من أبوابه، قال الحسن بن عيسى، قال: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن حسين، ومحمد بن النضر فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والشجاعة، والفروسية، والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه.
وقال ابن دفيق العيد في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (رأيت رجلًا العلوم كلها بين يديه، يأخذ مايريد، ويدع ما يريد) .
(2) وعي الصواب:
قال تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) (الأنبياء: 79) .
والمعنى هنا بلوغ الصواب، وإدراكه، لأن البسطة اطلاع تام، وغربلة للمسائل، وفحص للاتجاهات، مما يعني الوقوف على كل المآخذ والأدلة، التي تستنتج بإذن الله، بعد التجرد والإصابة، والتوفيق لحسن الفهم والترجيح.
ولا يمكن لفقيه جزئي، تربى على مدرسة واحدة، أو درس اتجاها فريدًا، أن يبلغ الحق، أو يعي الصواب، فضلًا عن أن يحوز مزاهر ذلك الحق وأفنانه.