فهرس الكتاب
لكن التعديةَ قد تكونُ بطريقِ القِياسِ، وهذا صَحيحْ هُنا، فإن التَزينَ خُلُقُ النساءِ، والرجالُ دونَهن فيهِ طَبعا وشَرعا، والنمصُ تفعَلُهُ النساءُ تجملًا وتزينا، فإذا مُنِعَ منهُ مَن الزينَةُ طَبعُها، فأولى ان تمنَعَ مِنْهُ مَن هُوَ دونَها في ذلكَ المعنى، وهُوَ الرجل.
وعليهِ فيصح القول: النمصُ مُنِعَتْ منهُ النساء نَصا، فَيُمنَعُ منْهُ الرجالُ بطَريقِ الأولى، كَما عَدَينا الحُكْمَ بنَفْسِ الطريقِ للرجالِ في مَتعِ الوَشمِ.
وَحيثُ تقدم أن النمصَ هُوَ نَتْف شعر الحاجِبَينِ، فذلكَ ذاتُه مُحرمُ على الرجالِ، وتعديتُهُ إلى الشْارِبِ واللحية خارجْ عن دلالةِ النصق والقِياسِ.
مفارقة:
الذينَ اْورَدوا حديثَ النمصِ لم يَستَدلوا بهِ لمنْعِ نَتْفِ شَعرِ اللحية، إنما لمنعِ حَلقِ اللحية، وهذا خطا بَينٌ ، فإن النتفَ غيرُ الحَلْقِ، النتفُ نزع للشعَرِ، والحَلقُ قَطعٌ لَهُ، النتْفُ مؤلِمٌ بِخِلافِ الحَلقِ، النًتفُ يوهِمُ المرودَةَ إذ لا يُبقِي أثرَ الشَعَر بخِلافِ الحَلْقِ، النَّتفُ يُضْعِفُ نَباتَ الشعرِ والحَلقُ يُقوٌيهِ، فكيفَ يصحُّ الإلحاقُ والمُساواةُ؟!
هذا الاستدلال آخِرُ ما أردتُ إيرادَهُ مِمَا تعلقَ بهِ المُبالِغونَ في حُكْمِ حَلْقِ اللحية مِما أضافوهُ للشرْعِ، وأرجو أن أكونَ بينْتُ لكَ وجوهَهُ دونَ تكلُفٍ بِما أسقَطَ تلكَ المُبالغاتِ التي قد شاعَت أمثالُها في عُرْفِ كثيرِ مِن المُحدَثينِ، بِما لا يُعْرَفُ مثلُه في الاستِدلالِ عنْدَ أهل العِلْمِ المتقدِّمينَ، والمقصودُ أن تُعطى المسائِلُ الشرعيَّةُ حقَّها، كَما تُستَفادُ مِن أدلتِها البينَةِ دونَ مُبالَغة أو تكلفٍ .
الخلاصهَ
إن الفِقهَ يجبُ أن يَستَنِدَ إلى علامات شرعيةٍ بارزةٍ تُبقي الفَقيهَ على الطريقِ وتَخفَظُهُ مِنَ الزلَلِ، لا إلى أوهام وظُنون يحسَبُها الظمآنُ ماء حتى إذا جاءَها لم يَجِدها شيئاَ.