الصفحة 27 من 55

إذا كان المستشرقون في منهجهم التشكيكي في الوقائع القطعية يشككون-كما سبق أن رأينا- فيما هو أدنى إلى الصدق، فإنهم في أخذهم بالمنهج الافتراضي يصدقون ما هو أدنى وأقرب إلى الكذب.

ولعل أبرز حقل قرآني مارس فيه القوم هذا المنهج هو ما تعلق بترتيب الآيات والسور في القرآن، إذ نجد معظم المستشرقين قد أبدوا في مسألة ترتيب الآيات على وجه الخصوص موقفًا مخالفًا لما هو مقرر لدى المسلمين من كون ترتيب الآيات أمرًا توقيفيًا لا خلاف فيه [1] فهم إذن، وانطلاقًا من منهجهم التاريخي الذي يفترض ترتيبًا منطقيًا يقبله العقل البشري، حاولوا افتراض ترتيبات جديدة يحكمها الهوى المجرد، وهذا الترتيب الجديد الذي قادهم إليه سلوكهم للمنهج التاريخي قد علق عليه المستشرقون أخطر النتائج في حقل القرآنيات، واتخذوه أكبر مدخل للطعن في صحة القرآن، وتضارُب أحكامه وخضوعه إلى الظروف الزمانية والمكانية.

فالمستشرق الانجليزي آرثر جفري يأتي مثلًا بفرضية حول سورة الجن فيقول: (( إن الآيات الخاتمة للسورة تختلف كثيرًا في الشكل والأسلوب، وتظهر وكأنها قطعة غريبة وضعها جامعو القرآن أو كتبته ) ) [2] .

فجفري يريد أن يؤكد للقارئ وجود اختلاف وعدم تناسب وتناسق بين الآيات الخاتمة (يرمي بدون شك إلى الآيات 19 فما بعدها من السورة) والتي قبلها من خلال التلميح _ بشكل عرضي وكأنه أمر طبيعي _ إلى أن كتبة

(1) يعد نولدكه الذي كان مقتنعا أشد الاقتناع بضرورة ترتيب القرآن زمنيا أول من رسم لنفسه منهجا جديدا تأثر به معظم من أتى بعده فأصبح موضوع هذا الترتيب يشغل أذهان المستشرقين جميعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت