الصفحة 28 من 55

الوحي هم الذين أضافوا المقطع الذي لا يتناسب -حسب زعم الرجل- مع الآيات السابقة، وهذه طريقة معروفة لدى المستشرقين في مخاطبة قرائهم. ولو رجع جفري إلى كتب التفسير، وكتب علم التناسب القرآني؛ لتبين له أن لا اضطراب ولا اختلاف بين طرفي السورة، يقول الإمام برهان الدين البقاعي (ت 885 هـ) في آخر حديثه عن سورة الجن: (( لقد التقى أول السورة وآخرها، فدل آخرها على الأول المجمل وأولها على الآخر المفصل، وذلك أن أول السورة بين عظمة الوحي؛ بسبب الجن، ثم بين في أثنائها حفظه من مسترقي السمع، وختم بتأكيد حفظه وحفظ جميع كلماته ... ) ) [1] أما الإمام ابن الزبير الغرناطي (ت 708 هـ) فبعد أن بين تناسب آي سورة الجن ختم حديثه بقوله: (( ثم استمرت الآي ملتحمة المعاني معتضدة المباني إلى آخر السورة ) ) [2] .

وهذا رودويل الذي انطلق من كون الآيات التي نزلت مع أول الوحي تتسم بالقصر قد حاول أن يضع على أساسها ترتيبًا جديدًا للسور المختلفة، فنراه مثلًا يعلق على سورة الملك بقوله: (( من الواضح أن الآيات من(8) إلى (11) قد نزلت متأخرة عن بقية السورة، ثم ألحقت بها؛ لأن كلًا منها أطول من بقية آيات السورة )) [3] .

إنه بالرجوع إلى سورة الملك لا نجد أن الآيات المشار إليها أطول من غيرها، ولو فرضنا جدلًا أن الأمر حاصل، وهو حاصل فعلًا في كثير من السور (انظر مثلا آية المداينة التي هي أطول آية في القرآن في أواخر سورة البقرة) فإن ذلك دليل على أن ترتيب آي القرآن الكريم توقيفي من عند حكيم عليم، إذ لو

(1) البقاعي: نظم الدرر في تناسق الآي والسور: 20/ 504.

(2) ابن الزبير: البرهان في ترتيب سور القرآن. طبع وزارة الأوقاف المغربية، الرباط 1990. ص 349.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت