فهرس الكتاب
القسم الثاني
أن تَأْتِيَ السنة لتبين ما في القرآن.
وهذا النوع هو أكثر الأحاديث ورودًا. أن تأتي السنة فتبين ما في القرآن العظيم من الإجمال والإبهام وهذه هي وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم بعد تبليغه لفظ القرآن يبقى بيانه.
كما قال تبارك وتعالي: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم} [النحل:44] فبغير هذا البيان لا تصل إلي مراد الله عز وجل.
لذلك قال علماؤنا - وهذا ما أشرنا إليه في المقدمة الذي ردّ في نحر النص برأيه الفاسد له هنا أيضًا مزلق - من سلفنا من قال ومنهم: مكحول , ويحي بن أبي كثير والدارمي وابن عبد البر وجماعه من العلماء لهم عبارة مشهورة وهي: (أن السنة تقضي علي الكتاب) [1] وقد تأتي هذه العبارة في بعض المواضع بلفظ آخر وهو: (السنة قاضيه علي الكتاب) فقال هذا الرجل: (من قال إن السنة قاضيه علي الكتاب فهو مغرور) وليس في العبارة ما يستنكر لكن الجاهل عدو نفسه إذ ليس في العبارة شيء يقتضي الرد.
ما معني السنة قاضية علي الكتاب؟
هل هي مقدمة علي الكتاب؟
هذا هو الذي فهمه ذاك!!.
أما معني السنة قاضية علي الكتاب: أن آيةً من كتاب الله قد تأتي تحتمل معنيين فتقضي السنة لأحد المعنيين علي الآخر.
فهي إذًا قاضي علي الكتاب. هذا معنى.
أو ترجح أحد المعنيين علي الآخر فيؤخذ بها ويترك ظاهر الكتاب، وإليك مثال لبيان المعنى:
قال الله تبارك و تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] .
{أنَّى} معناها: (أين) [2] تعني المكان. فيفهم بهذا المعنى أنه يجوز أن تؤتى المرأة في دبرها. قال بذلك الشافعي والمازري وغيرهما: أن هذه الآية بظاهرها تقتضي ذلك. قال الشافعي: لكني أحرم ذلك لورود حديثٍ ثابتٍ في المنع [3] .
فيبدو لك أن الشافعي حرم الدبر بالحديث وترك مقتضى ظاهر الكتاب لأن ظاهر القرآن يقتضي الجواز.
(1) (إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول) (ص/29) للشوكاني
(2) فتح الباري (8/ 39) .
(3) هو حديث خزيمة بن ثابت وسيأتي.