فهرس الكتاب
وهناك معنى آخر وهو: أن {أنَّى} تعني موضع الحرث. {نساؤكم حرث لكم} فموضع الحرث هو موضع الإنبات. فلا يمكن هذا الحرث يأتي إلا إذا أتى الرجل أهله في محل الولد لأنه لو أتاها في دبرها لما أولدها أبدًا أبدًا. إذًا فالدبر ليس بحرث لأن الإنبات لا يمكن أن يكون إلا في محل الولد. {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم} .
فهذه الآية تحتمل هذا المعنى وذاك. فرجحنا المنع بحديث خزيمة بن ثابت: «لا تأتوا النساء في أدبارهن» [1] .
قال المازري: الآية حجة في الجواز لكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع فتكون مخصصة لعموم الآية [2] .
إذن تُرِكَ مقتضى ظاهر الكتاب أم لا؟
الجواب: ترك.
ترك بماذا؟
الجواب: ترك بالسنة.
فهذا هو معنى: (السنة قاضية على الكتاب) .
* مثال آخر لبيان أن (السنة قاضية على الكتاب) :
قال تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ} [البقرة: 228] ، القرءُ هذا طهر أم حيض؟
إذا طلقت امرأتك تلبث ثلاثة حيضات أم ثلاثة أطهار؟
نرجع إلى اللغة العربية لأن هذا كلام عربي مبين. فنجد في اللغة العربية أن كلمة (قرء) معناها: حيض ومعناها: طهر. المعنى وعكسه واللغة العربية من الأبواب التي تتميز بها عن لغات العالم الأخرى هذا الباب (باب الأضداد) لفظة واحدة تحمل المعنى وعكسه. كقوله تعالى: {وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا} [الكهف: 79] (وراءهم) بمعنى: أمامهم. لأنه لو كان ورائهم على الحقيقة فلم يخرقون السفينة وقد تجاوزوه إنما خرقها لأنهم سيمرون عليه إذًا فهو أمامهم. فهذا مما تنفرد به لغتنا العربية وكلمة (قرء) من هذا الباب تعني: حيضٌ وطهرٌ. فمن أين لنا أن نرجح أنها حيض أو طهر؟ نأتي السنة فنجد النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: (تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي ... ) [3] الحديث.
(1) صحيح رواه ابن ماجة (1924) وأحمد (5/ 213) والبيهقي (7/ 197) والنسائي في (العشرة) (77/ 1) وابن حبان (1299 و 1300) وغيرهم.
(2) فتح الباري (8/ 39) .
(3) صحيح رواه أبو داود (297) وأبو عوانة (1/ 322) والنسائي (1/ 65) وغيرهم وله لفظ أوضح منه لفظًا وهو: (إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مرّ قرؤك فتطهري ثم صلي مابين القرء إلى القرء) رواه النسائي (1/ 44 - 45) وأبو داود (280) وابن ماجة (620) وراجع (إرواء الغليل) للألباني (2118) .