فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 44

في هذه الآية مخصصان هما:

-الأول من القرآن وهو: قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلىّ محرمًاعلى طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا} [الأنعام: 145] فبقيت الميتة على عمومها محرمة واستثنى من الدماء نوعًا وحرَّمه وهو الدم المسفوح - السائل المتدفق - فلو نظرنا مثلًا إلى الكبد والطحال لوجدناهما دمًا لكنه غير مسفوح - متجمد - والدم المحرم هو الدم المسفوح فبدلالة الآية إذا حرّم الدم المسفوح فيكون أجاز الدم غير المسفوح.

-الثاني: ولو نظرنا في السنة لوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال» [1] .

إذًا كيف تفهم الآية؟

تفهم هكذا: {إنما حرم عليكم الميتة} إلاّ: الحوت والجراد، {والدم} إلاّ: الكبد والطحال.

فجاءت السنة هنا فخصصت عموم القرآن.

جاء القرآن بتحريم الميتة والدم فاستثنت السنة من كلٍ منهما نوعين كما ظهر.

(فائدة هامة(

هب أنه ليس عندك نص خاص وليس عندك إلاّ العموم فهل تعمل به أم تتوقف؟

الجواب: تعمل به ولا تتوقف. تعمل بالعموم ولا تتوقف إنما تعمل بما جاءك من الوحي والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمَّرَ علينا أبا عبيدة ابن الجراح نتلقى عيرًا لقريش وزودنا جرابًا من تمرٍ لم نجد له غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة كنا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله وانطلقنا على ساحل البحر فَرُفِعَ لنا كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هو دابة تدعى العنبر فقال أبو عبيدة: ميتة ولا تحل لنا، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم إليه فكلوا فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا فلما قَدِمْناَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيءٌ فتطعمونا منه؟» فأرسلنا منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل) [2] .

(1) رواه أحمد (2/ 97) وعبد بن حميد في (المنتخب من المسند) (89/ 2) والعقيلي (231) وابن ماجة (3314) والحاكم والبيهقي (1/ 254) عن ابن عمر وصححه الألباني في (الصحيحة) (1118) .

(2) رواه البخاري (4360 و 4361 و 4362) ومسلم في كتاب (الصيد والذبائح) باب (إباحة ميتات البحر) وأبو داود (3840) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت