فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 44

وعند مسلمٍ في صحيحه: (قال: ولقد رأيتنا نغترف من وَقْبِ عينه [1] بالقِلالِ الدهن ونقتطع منه الفِدَرَ [2] كالثَوْر أو قدر الثور فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأقعدهم في وقْبِ عينه وأخذ ضِلْعًا من أضلاعه فأقامها ثُمَّ رَحَلَ أعظم بعير معنا فمرَّ من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق [3] فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم .... ) الحديث.

فهذا أبو عبيدة أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه خفيت عليه سنة التخصيص فقال: (ميتة ولا تحل لنا) عملًا بالعموم {حرمت عليكم الميتة} لكنه استخدم الرخصة في نفس الأمر: {فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه} فعمل بالعموم الذي جاءه ولم يتوقف حتى يأتيه المخصص.

فيجب عليك إذا كان عندك في أي حكمٍ نصٌّ عام وليس عندك مخصص له أن تعمل بالعام ولا تنتظر حتى يأتيك المخصص لأنك لو انتظرت حتى يأتيك المخصص قد تموت ولا يتهيأ لك معرفته فتكون قصرت فيما أُمِرْتَ بتمامه. والله أعلم.

(الثالث:

ومن العموم أيضًا في القرآن العظيم الذي خُصَّ بالسنة النبوية قول الله تبارك وتعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفسَ بالنفسِ والعينَ بالعينِ والأنف بالأنفِ والأذنَ بالأذنِ والسنَ بالسنِ والجروح قصاصٌ} [المائدة: 45] .

فلو نظرنا في الآية لوجدنا الألفاظ: (النفس - العين - الأنف - الأذن - السن - الجروح) كلها محلاة بالألف واللام فتفيد العموم فيكون مقتضى هذه الآية: أن أي رجل قتل أي رجل يُقْتَلُ به وهذا هو نصُّها: {أن النفس بالنفس} فلو قتلت أي رجل تقتل به فجاءت السنة فخصصت من هذا العموم ما يأتي:

1 -قال صلى الله عليه وسلم: «لا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافرٍ» [4] فخصّصت أنه لا يجوز أن يُقْتَلَ مسلمٌ بكافرٍ.

2 -وخصّصت السنة من عموم هذه الآية أنه: (لا يقتل والدٌ بولده) [5] فلو أن الوالد قتل ولده لا يقتل به لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: (نحلتُ لرجلٍ من بني مدلج جارية، فأصاب

(1) وَقْب عينه: الوَقب بفتح الواو وإسكان القاف وبالباء الموحدة هو داخل عينه ونقرتها.

(2) الفِدَر بكسر الفاء وفتح الدال: القطع.

(3) الوشائق: بالشين المعجمة والقاف هو اللحم يؤخذ فيغلى إغلاءً ولا ينضج ويحمل في الأسفار يقال: وشقت اللحم فاتشق والوشيقة الواحدة منه والجمع وشائق ووشق وقيل: الوشيقة: القديد، والخبط هو ورق شجر السَلَم اليابس.

(4) رواه البخاري (6915) وأبو داود (4530) والترمذي (1/ 265) وأحمد (1/ 79) وابن الجارود (794) والدارمي (2/ 190) والطحاوي (2/ 110) ولفظه عند أبي داود: (لا يقتل مؤمن بكافر) .

(5) صحيح رواه ابن ماجة (2662) وابن أبي عاصم (32) والدار قطني (347) وراجع (إرواء الغليل) للألباني (2214) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت