مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1] فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا, وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا, فَقَالَ لِي: أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا , قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ لَهُ, قَالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:3] فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ". فهذا الفهم من ابن عباس لم يفهمه بقية الصحابة الموجودين, وإنما فهمه عمر وابن عباس فقط."
واستدلوا أيضًا بالحديث الذي في الصحيحين: البخاري (454) ... ومسلم (2382) :عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ, فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ, فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ, فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْدَ, وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا"فأبو بكر فهم بطريق الإشارة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد المُخَيَّر ولم يفهم ذلك باقي الحاضرين."
ولقد بالغ قوم في التفسير بالإشارات والخواطر وفتنوا بذلك حتى ظنوا أنّ ما جاء في الكتاب والسنة ما هو إلاّ سوانح وواردات, وشطحوا مع تخيلاتهم , ولم يتقيدوا بتكاليف الشريعة ولا قوانين اللغة التي نزل بها القرآن, وخيّلوا للناس أنهم هم أهل الحقيقة الذين أدركوا الغاية واتصلوا بالله تعالى وأخذوا عنه بلا واسطة, وأسقطوا التكاليف الشرعية بتأويلاتهم الباطلة, فهدموا الدين وأتوا على بنيانه من القواعد.
والحق أن هذا التفسير قد خاض فيه الكثير من أهل البدع والضلالات و جَرَّ على الإسلام والمسلمين كثيرًا من الانحرافات, لذا تجد أكثر المشتغلين به من الصوفية [1] والباطنية وغيرهم ممن حاد عن طريق سلف هذه الأمة المباركة, وقليلٌ جدًا مَن أتى بإشارات مقبولة لا تتعارض مع ظاهر الآيات القرآنية. وقد عني الألوسي في تفسيره (روح المعاني) بذكر بعض الإشارات المقبولة في الآيات التي يقوم بتفسيرها بعد أن يذكر أولًا أقوال
(1) 3 - كتفسير ابن عربي وحقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي وتفسير الكشف والبيان للنيسابوري